مشاهدة النسخة كاملة : رسائل الحمار الميت
حمود بن زياد
14 / 10 / 2008, 09 : 10 AM
عزيز نيسين المؤلف التركي ... يجعل المتلقي ساخراً من نفسه بمزج الكوميديا بقالب أتقنه جيداً
http://img520.imageshack.us/img520/6581/33880813lm4.jpg
عزيز نيسين
الحمار الميت
ترجمة: عبد القادر عبد اللي
الرسائل التي كتبها (الحمار الميت) الذي لا
يخاف الذئب، من الدار الآخرة إلى صديقته ذبابة
الحمار في الحياة.
الرسالة الأولى
(الحمار الميت يحكي كيف مات)
ذبابة الحمار الحبيبة
ستدهشين حتماً عندما ستستلمين هذه الرسالة. ستهلوسين قائلة: "علمنا أنه شبع موتاً منذ زمن، فمن أي اسطبل خرج لنا مجدداً" . لا تنفعلي. أنا أكتب لك من المقبرة. هنا ، كل الذين كانوا أحياءً في يوم ما من كبار ومشهورين وأعيان. إنه الوقت المناسب لكي تلطمي وتصرخي "آه لم نعرف قيمته في حياته. الآن فقط فهمت معنى المثل القائل "أعمى وعيونه لوزية" من خلال معرفتي بالذين لم نفهمهم في دنيانا الكذابة قبل أن يأتوا إلى مثواهم الأخير. بينما كنت أعمى عما هو أمام عيني سمعت عبارات المديح بعد موتي "عيون كحيلة". "نظرته مؤثره".
لا تحزني مطلقاً مما تعانيه من ضائقة في الحياة. عندما ستموتين ستكتب الجرائد "فقيدة كبيرة لا يُملأ مكانها". الأنانيون يملؤون أمكنة المحرومين والفقراء الأحياء ولا يتركون لنا حتى مكاننا في الحياة. ولا أدري كيف لا يستطيعون – ولا بأية وسيلة – تعبئة مكاننا بعد موتنا فيتركونه فارغاً!!
ستعيشين في قلوب الأحياء بعد موتك، ولكن عندها سيكون مكانك جهنم أيضاً. لقد حكى لي أحد الأخوة الحمير ممن لا مكان لهم في الحياة ولم يستطع أحد ملء الفراغ مكانهم بعد موتهم، هذه الحادثة التي وقعت له: "يوم شمسه حارةً جداً حزموا ظهره بحمل ثقيل، صادف الحمار الماشي (طحاً و نحاً) تحت وطأة حمله الثقيل طريقاً ساحلياً، وبينما كان يمر أمام (شاليه) وفي يده كأس مشروب من ذاك المتعرق خارجه لكثرة الثلج داخله.. يرتشف مشروبه وينفث دخان سيجارته. نظر الحمار من تحت الحمل وهو يكاد يغمى عليه لشدة الحر إلى الحمال الذي كان يتناول شرابه أمام الريح وقال:
- لِمَ نفختك هذه. كل ما هنالك أنك تعيش وأنا أيضاً أعيش.
قال حمار الشرفة للحمار الذي يطح وينح تحت وطأة حمله:
- نعم أنت تعيش وأنا أعيش ولكن أنت هكذا.. وأنا هكذا!!!
كل الأعمال في المقبرة تجري بسرعة وعلى ما يرام ذلك لعدم وجود أي دائرة حكومية أو موظف. وليست هنالك مؤسسات وجدت خصصياً لإخراج الناس عن طورهم – البريد مثلا- إذا أراد أحدنا إرسال رسالة من هنا إلى أحد الأحياء يتولد كل ما يريد كتابته في عقل المرسل إليه كما تتولد هذه الرسالة في عقلك الآن.
ذبابة الحمار الحبيبة سأشرح لك في رسالتي هذه كيف مت. لعله يفيدك في زمن تكونين فيه محاصرة إن لم يكن باستطاعتك الحياة.
إنني مُت، أي أنني ما بعد وجودي. لا كقول الذين يبتلعون العصير المجمد (أوخ ، مُت) قَولي أنا مت ليس كذلك. مت بجد.
ستقولين "ليس في الموت مزاح" ولكن عندما تمر حياتنا مهزلة فموتنا يصبح قبيحاً كل القبح.
اثنان سيبكيان من بعدي: أولهما واصل وثانيهما وداد. أنا دائن للأول بخمسمائة ليرة وللثاني بمائة ليرة فقط. من يعلم مقدار حزنهما لموتي قبل أن أدفع ديني.
كنت كلما نظرت في وجهيهما أُفضّل الموت سلفاً (أي دفعة واحدة) عليه تقسيطاً. ( أي أموت وأحيا وأموت وأحيا).
في البداية خططتُ للموت في البيت، فكرت كيف سيرى المارة سفالتي التي وصلت حتى الركب. سأصبح سخرية للناس، لذلك عزفت عن الموت في البيت، لم أستطع العيش في المصيف صيفاً واحداً ولا ففي المشتى شتاءً واحداً. لكي أعيش في مصيف لم أستطع أن أعيش فيه وأنا حي، سحبت نفسي مثل القطط الأصيلة التي لا تريد أحداً أن يرى جثتها، وذهبت إلى مكان بعيد مكشوف وجميل.
قبل أن أموت سألت نفسي:
ما هي رغبتك الأخيرة؟ قل لنر!
قال صوتٌ من داخلي:
- الحياة!!!
قلت:
تجاوز هذه . لنسألك ثانية "ما هي رغبتك الأخيرة "فهذا السؤال يُسأل أصولاً للذين سينفذ فيهم حكم الإعدام . فإذا كان لك طلب ناتج عن تفكير منطقي فقله.
صرخ الصوت عالياً:
- الحياة!..
طلبك هذا يعني "طلب تحكّم طبقة في بقية طبقات المجتمع" ومسجل في القانون على أنه من أكبر المعاصي.
- عِشتَ كل هذه السنين كذبابة في ذيل حصان. ماذا رأيت وماذا وجدت في هذه الدنيا... آ.. قواد!..
أغمضت عيني وانسحبت من "دار الفناء" إلى "دار البقاء" . فتمددت على طولي في ساقية على حافة الطريق. رفسني أحد المارة رفسة، رفستين. عندما لم يلحظ مني أية حركة فتشني!! وبينما كان يبحث في جيوبي الداخلية تدغدغت وكادت الضحكة تخرج من فمي، ولأنني ميت عليّ ألا أخرج أي صوت. لم يجد الرجل أية نقود في جيوبي، أو أي شيء مفيد، ساعة، قلم حبر، خاتم، موسى، قداحة،... تركني وبصق على وجهي. انه رجل صاحب ضمير كان بإمكانه أن يعمل شيئاً آخر غير البصاق.
نادى أحد المارة:
- في الطريق ميت لا يعد من الميتين!!..
أخبر الشرطة. بالرغم من أن الرجل الذي فتش جيوبي قال للشرطي:
- لا يوجد معه شيء. من المستحيل معرفة شخصيته.
هيه .. هيه.. أنا بلحظة أعرف من هو.
هل هذا صحيح بالرغم من عدم حمله الهوية؟!!
ضرب الشرطي بيده على رقمه المثبت في ياقته وعلى مسدسه، وقال:
- نحن لا نحمل هذه على الفاضي يا حباب. نحن نُخرج من الريح الماء ومن السيل الغذاء.
- ولكن كيف؟!
أجعلهُ يتكلم!!
- ميت.. وهل يتكلم الميت؟!!
- هذا سر المهنة.. كل شخص ممكن أن يجعل الحي يتكلم.. ولكني أجعل الميت يتكلم، وسترى أننا لا نجعل الأموات فقط يتكلمون، بل حتى شواهد القبور تتكلم حتى تظن أنها تنطق بالغزل في جلسة صفاء على شاطئ البوسفور..
- بعد بحث وتمحيص وتمشيط وجدوا في جيوبي أشعار الحب التي كتبتها للفتاة الفاتحية* أم عروق الرقبة البارزة. ولمعلمتي البورصية*. قال الشرطي عندما وجد الأشعار:
- الرجل شاعر. اذا بدأ أحد الشعراء بالكلام فلا يستطيع إسكاته شرطة سبع دول.
سأل أحد فاعلي الخير الشرطي عن سبب أخذ الشعر وتركي في الخندق.
قال الشرطي:
لا يُستطاع الخروج من داخل هذا الذي يسمى شعراً. ولأن هذا الشعر الحديث شيء (ملخبط) مثل الشيفرة فلا يفهمه قارئ ولا مستمع. لذا فشرطة الأمن السياسي، هم أكثر قراء هذا النوع من الشعر.. سآخذ هذه الأشعار إلى الشعبة السياسية ليدققوها لعلهم يجدون فيها مخالفة!!!
ذهبوا وبقيت في الخندق.
هكذا يا ذبابة الحمار الحبيبة، هكذا مُـت. ولكن لم أنته عند هذا. وهل تظنين أن الموت عمل سهل. أيـ..ن! صدقي عندما تموتين في يوم ما، إذ كنتِ ندمتِ على ولادتك مرة، ستندمين على موتك ألف مرة.
لقد أتينا إلى هذه الدنيا في زمان ومكان، إذا أردنا أن نعيش لا يُعاش وإذا أردنا الموت لا نستطيع. لا يدعونك تموتين أن تعيشين... سأحكي لك في الرسالة القادمة ما جرى لي بعد موتي. أبلغي سلامي لمن يسأل عني. قلت من يسأل عني، تذكرت، دخيل عيونك احذري أن تقولي "للديّانة" الذين لهم دين بذمتي عن مكاني. بينهم واحد – أنت لا تعرفينه- لا يتوانى عن عمل شيء من أجل أن يدّفعني نقوده. يموت ويتبعني إلى هنا، أي إلى مكان استراحتي الأبدية، لا تعطي عنواني لأحد، خشية أن يحدث شيء من هذا القبيل. أقبل إبرتك السامة.
الملخص لك
حمار ميت
• اسم وداد يستعمل للذكور.
• نسبة إلى منطقة الفاتح في اسطنبول.
• نسبة إلى محافظة بورصة على بحر مرمرة.
حمود بن زياد
14 / 10 / 2008, 12 : 10 AM
الرسالة الثانية
(الحمار الميت يحكي كيف نُقل في سيارة الإسعاف)
ذبابة الحمار العزيزة والحبيبة
شرحت لك في رسالتي السابقة كيف مت، الأصح، كيف تمددت في ساقية على طرف طريق متماوتاً.. الصعوبة الحقيقية بدأت فيما بعد. اجتمع حولي كل من كان ماراً. صاح أحد المواطنين المتكومين فوق رأسي:
- أي جنس بشري نحن ياهوه..؟ يموت الرجل أمام أعيننا ولا تهتز لأحدنا شعرة.
قال آخر:
- صحيح. أكون سافلاً إذ كان قد بقي في هذا الوطن صاحب شي من إنسانية. هنا أشخاص كُثر ليس بينهم من يهب لتقديم المساعدة.
سأل أحد المزدحمين:
- لماذا لا تقدم المساعدة أنت؟ ألست إنساناً؟
- من الأفضل أن تسأل نفسك بدلاً من سؤالي؟
- أنا عندي شغل.. وإلا كنت رميت نفسي إلى الصيدلية وأخبرتهم هناك..
- عنده شغل. أي شغل وأنت تتفرج منذ نصف ساعة؟
تداخلت الأصوات على شكل ضوضاء.
- طبيب؟ طبيب؟ أليس من طبيب بين كل هؤلاء؟
- قرأت في الجريدة هذا الصباح عن هجرة العقول.. هاجر أطباؤنا إلى أمريكا وألمانيا.. يا أخي ما بقي ففي الوطن أطباء.
- بـ .. آه ألا تعرف شبكات الهاتف.. حتى تأتي حرارة الهاتف يكون الرجل قد فقد حرارته منذ زمن.
- لو انقضت بالموت نعمة.. لو انتظرت حتى إنجاز مخابرة تلفونية لما بقي من الرجل قطعة واحدة حيث تأكله الذئاب والطيور الجارحة. أتظن من السهل إجراء مكالمة هاتفية هذه الأيام.؟
- واخ واخ يموت الرجل أمام عيوننا!!!
- العدل.. لا يوجد عدل.
- ما الذي قاله الشاعر "عذبني آدم لم يبق عدل / أمي تبكي بين شجر اللوز المر"
قال شاب لآخر بجانبه:
- لا يمكن أن يحدث مثل هذا في أوربا أو في أمريكا، إنها دول حضارية.
- ماذا تعني، أتقصد أن دولتنا غير حضارية؟ إذا كنت رجلاً، كرر أمام هؤلاء الشهود.
- أنا لم أقصد هذا.
- ياهوه... اتركوا المجادلة واعملوا شيئاً. الرجل يموت.
- في أوروبا، لديهم مكاتب خدمات اجتماعية في حال حدوث شيء من هذا القبيل، لو سقط كلب متألماً وسط الطريق. يهبون بسرعة ويأخذونه إلى مشفى الحيوانات فوراً.
قفز الرجل الذي بجانبه.
- بلا خلط .. ليس هكذا .. في أوربا أو أمريكا، لا يتدخل أي شخص في شؤون الآخر. لكل شخص عمله حتى أنه إذا صرخ أحدهم بجانبك متوسلا "إني أموت، بَلعة ماء كرماً لله" لا أحد يعطيه ماء. فهمت؟
- سيدي، وهل ذهبتم إلى أوربا حتى تتكلموا هكذا؟
- شخصياً لم أذهب.
- إيه...
- إذا كنا لم نذهب ، فسمعنا ممن ذهب، فوق ذلك أنا أقرأ الصحف.. أذهبتم أنتم؟
- بالطبع. نظمت الرابطة النقابية في مؤسستنا السنة الماضية رحلة لمدة خمسة عشر يوماً في حوض البحر الأبيض. درنا كل من اليونان، إيطاليا ، إسبانيا طولاً وعرضاً وبعدها يا سيدي.. سيدي.. ذَكّرني ما اسمها.. المهم، كلها كل أوربا.
- وضع الإنسان الذي يتجول في أوربا شيء مختلف.
- في آخر رحلاتي إلى أوربا علمت أن...
- أليس من صاحب وجدان بينكم؟
- موجود، ما العمل؟
- جميل، اذهب خبّر الإسعاف.
- لا يتدخل أحد في أوربا أو في أمريكا في حي ولا في ميت. لماذا ؟ كونهم بلاد حضارية. لكل عمله . لانتشال الساقطين في الطريق، الساقطين في ساقية على طرف الطريق، الساقطين المتوفين، الساقطين غير المتوفين، منظمات مختلفة، لا يحدث كما هو عندنا هكذا. لا يقفون يتفرجون على موته وهو يلفظ أنفاسه ، يمرون دون أن يتوقفوا.
- يعني لم يبق عندهم إنسانية أيضاً، كيف يمر الإنسان دون أن يتوقف أو يعمل أي شيء، يلتفت على الأقل.
- هذا يعني، إلا من كان عمله. يأخذونه ويعملون به ما يريدون.
- لو فككت زنار وأزرار صدر المسكين.
- يا سيدي أفضل عمل في حالة كهذه التدليك. لو دلكه أحدنا لأنقذناه.
- لو حركوا أرجله وضغطوا على صدره قليلاً. يمكن أن يصحو.
- أي تدليك . يا أخي أي تدليك... آه.. مات الرجل وأنت بِمَ تتكلم.
- مات! واخ واخ.. أماه.
- لماذا استغربت.
- كان حياً قبل قليل.
- وما المدهش في هذا؟ بعدها مات. كل الأموات قبل أن يموتوا بقليل يكونوا أحياء.
- الروح مثل الطير، دقيقة موجودة ودقيقة لا.
- هذه نهايتنا جميعاً.
- نحن لا يمكن أن نكون بشراً يا أخي. وهل من الإنسانية أن يكون هذا الحشد فوق رأس الرجل ولا يساعده أحد.
عزيزتي ذبابة الحمار، في الحقيقة كنت معجباً جداً بحديث الناس المجتمعين فوق رأسي. لو كنت أعرف أن كل هذه المتعة لهذا الحدث لذهبت كلما ضجرت إلى إحدى الساحات المزدحمة ووقعت مؤدياً (مشهد) الموت.
لكن لحظتها لا يمكن لي أن أعمل ذلك المشهد لأنني وعدت بأنني سأموت. ولا يمكن لي أن أرجع في كلامي لأن كلمتي كانت أمام جمع غفير من الناس.
بعض العابرين، يقفون منذ نصف ساعة من الزمن يستفسرون، ويحصلون – حسب اعتقادهم – على بعض المعلومات عني، ويذهبون. والبعض يمل لسماع كثرة التفاصيل الدقيقة والمطولة فيولون. ولأن كل أربعة – خمسة أشخاص يحتلون مكان كل ذاهب، فالازدحام كان يكبر. يتدافعون لرؤية الميت.
صرخت امرأة بولد أمامها:
- ما عمل ولد يقف هنا أما رجل؟
بعدها قال رجل كان يحمي بين ذراعيه امراة من الزحام:
- لم يبق تربية. ومع هذا يقولون إنهم يربون الجيل الجديد للوطن "خرجت إلى الهضاب ، لأنه لم يبق عندي سوى صاحب الجناب".
- ومن هم الذين تجتمع فيهم الأبوة والأمومة في هذه الدنيا؟
قال واحد ممن يدقق في ألبستي، عيني، حاجبي...
- انظروا إلى ربطتي حذائه، إحداها سوداء والثانية بنية.
انفجر الجميع ضاحكين من هذا الكلام.
خجلت إلى حد. أردت أن أخفي إحدى قدمي تحتي حتى لا أبدو أنني استعملت ربطات حذاء مختلفة الألوان. ولأنني ميت فمن العيب أن أتحرك من ناحية، ومخالف للأعراف من ناحية أخرى. عندها أيقنت أنه على الواحد منا.. أن يفكر جيداً أو يستشير الآخرين قبل أن يعمل أي شيء. إذا كنت ستموتين فعليك أن تعرفي شكل استلقائك على الأرض. وعلى هذا الأساس ستحسبين سقوطك. أنا عندما مت تمددت في ساقية على حافة الطريق بشكل عشوائي، حتى إنني لم أفكر أن بعض النبهاء من المواطنين سيلاحظون أن ربطتي حذائي من لونين مختلفين.
قال أجد المدققين فيما كنت ألبس:
- أراهن على ان حذاءه رُقّعت نعلُه ما لا يقل عن ثلاث مرات. أكثر المتألمين عليّ كانت امرأة مسنة صباغها ودهونها طبقات.. طبقات. قالت:
- واخ واخ.. ما شاء الله رموشه طويلة ومقلّبة. يا حيف على شبابه.
ما هؤلاء الناس ليس بينهم أي شبه. منهم من هو صاحب مزاج بالشعر ومنهم بالرموش. من يخطر بباله أن هذه المرأة صاحبة مزاج بالرجال، ذوي الرموش الطويلة؟
- بنطاله عيون عيون.
- أكمام (جاكيته) مهترئة.
- بنطاله ذاب تماما عند الركبة.
- ما الذي تقولونه، ياهوه..
- ماذا سنفعل؟
- ليخبر أحدكم طبيباً.
- إنه يموت أمام أعيننا.
- لنر فيما إذا كان حياً.
- يا عزيزتي ليمت أو ليعش فما علينا نحن إلا أن نشهر إنسانيتا.
- كم عمره قولكم؟!
- أربعون.. خمسة وأربعون
- لا أظن ليس أكثر من ثلاثين
- أنا أعرف بالبشر. يكفي أن أنظر في وجه الإنسان لأعرف من أي طينة هو.. هذا الرجل موظف محدود الدخل مئة بالمئة.
- وأنا أقول أنه كذلك.. إنه من النوع الذي يعمل وهو يجلس إلى الطاولة بشكل دائم.
- من أين عرفتم هذا؟!
- انظر إلى كوع جاكيته لقد اهترأت تماماً.
- انه قصير القامة.
- لا يعرف عمره تماما.
- أتريد أن أقول لك شيئاً ؟ ليست الفرجة لمن يموت بأجَلِه هكذا أية قيمة. وليس لها أية بهجة. لينفذ الإعدام. عندها تصبح للفرجة متعة.
ذبابة الحمار الحبيبة، بقيت في تلك الساقية أكثر من ست ساعات على ما أظن لأن الشمس كانت على وشك المغيب، كان الناس يأتون فصائل فصائل ليتفرجوا عليّ. الجميع حزين ومتأثر، وتألموا لكوننا أناساً سيئين لا نساعد بعضنا. حتى أن البعض تمادى فشتم ودعا على من لا يمد يد المساعدة، وبينما كانوا على وشك رفعي، إذ بأحدهم يقول وهو معلم باعتقادي:
- لو كنت أعلم لأتيت بالتلاميذ ليتفرجوا كيف يموت الإنسان ونعمل درساً تطبيقياً.
صرخ أحد المواطنين محاولاً تفريق الزحام:
- ألم تروا في حياتكم ميتاً حتى تكومتم فوق رأسه.
حاول رجل آخر أن ينظم الجمع فقال:
- لنقف بالدور يا شباب، بالدور بلا تدفيش ولا مزاحمة.
بينما كانوا يضعونني في سيارة الإسعاف، شق أحد المواطنين الازدحام لرؤيتي قائلاً:
- دقيقة يا شباب.. لقد أتيت من مسافة بعيدة لرؤيته.
سألوا الرجل:
- أمن معارفكم؟ أم أقاربكم؟
قال:
- لا، علمت بالأمر فأتيت.
يا حرام، لم يتمكن كل المواطنين من رؤيتي.
انطلقت السيارة. تبعها ركضاً بعض الأولاد والشبان لدقائق، في النهاية فهموا على ما يبدو أن قوة الإنسان، لا يمكن أن تسبق قوة الآلهة.
ذبابة الحمار الحبيبة، في الرسالة القادمة أحكي لك حكاية رحلتي - نعم كانت رحلة – في سيارة الإسعاف.
تحياتي وقبلاتي لإبرتك وعيونك.
المخلص
حمار ميت
حمود بن زياد
14 / 10 / 2008, 16 : 10 AM
الرسالة الثالثة
(الحمار الميت يحكي عن رحلته في سيارة الإسعاف)
عزيزتي ذبابة الحمار
أبدأ بالسلام، والقبلات الحارة من إبرتك.
شرحت لك كيف تم موتي وإلقائي في سيارة الإسعاف بالهلهلة والصياح، والطبل والزمر. الآن اسمعي ما وقع لي بعدها. (إن رحلة عشرين ألف فرسخ في غواصة) لا تساوي شيئاً أمام رحلتي في سيارة الإسعاف.
مددوني على طولي في مؤخرة السيارة. فجأة صعقني الخوف ظناً مني أنني راكب في سيارة (تكسي)، وسيطلب السائق الأجرة. ثم ارتحت بعد أن تذكرت أنني ميت.
لم نسر في الطريق مسافة خمس مائة متر حتى خرج صوت محرك السيارة (زيك) ووقف، ولم يتحرك مرة أخرى. تقدم السائق نحو المحرك كسياسي ينفث النار على خصومه.شَتمهُ، هَزَهُ، خربطه، ولكن السيارة لم تتحرك ولا بأي شكل، تظنها صَبّة (بيتون) مثبتة في الأرض كإسفين. قال السائق للجمهرة التي طوقته:
- أمن غير الممكن ألا يزدحم الناس؟!! نحن لا نعيش إلا بشكل مزدحم. ما دمتم مجتمعين، يالله يا شباب لندفع العربة من الخلف! غيّر السائق طريقة لفظ كلماته، أعاد ترتيبها، كررها لمرات بتوسل، للمتجمهرين، عندها بدأ الزحام يخف. لحظتها قال لمعاونيه.
- أرأيت كيف فرقت الزحام؟ إذا اجتمع عليك مثل هؤلاء العاطلين وأردت تفريقهم فما عليك إلا طلب المساعدة. اطلب منهم شغلة صغيرة. عندها سترى الجميع يهربون.
توسل السائق لمن تبقى حول السيارة، المساعدة، قال بعض الكلمات المحملة بنوع من القداسة مثل وطن، شعب، ضمير، لكن المزاحمين كانوا يجرجرون أقدامهم متراجعين.
نصح أحد المنسحبين السائق الذي كان يحاول العبث بالمحرك:
- لا تلعب فيها على الفاضي، إذا خربت العربة يقال "أينما تقول تك، فهناك اترك.."
- أأنزل وأدفع السيارة من الخلف يامعلمي؟!
قال السائق:
- اجلس في مكانك، سترى كيف سأجعلهم يدفعون السيارة.
مط رأسه من النافذة وقال:
- الله يرضى عليكم ، من يحب الله فليدفع السيارة من الخلف.
بقوله "الله يرضى عليكم" اجتمع المتفرقون وكأنهم جمع نمل تهجم على قطعة سكر.
مسكوا السيارة من يمينها، يسارها، عجلاتها، غطاء عجلاتها، خلفها ، أمامها، جنبها.. مسكة، من الأصح أن نسميها لمسة. مثل تلك التي تلمسها سيدة من طبقة اجتماعية راقية ليد رجل من طبقة اجتماعية دنيا عندما تكون في موقف مضطرة فيه للسلام عليه.
أما من ناحية الصياح والصراخ، فكانوا يصيحون بشكل تظن معه أن الأرض تهتز. فوق كل ذلك ، كان كل واحد يُحمس الثاني من كل قلبه:
- يالله يا شباب.
- الصبر يا مواطنين.
- ياللـ .. ـه .. واحد، اثنااا......ن ، ثلاثة.
ولأنه لم يكن أحداً منهم يدفع بجد، بل أحدهم يأمر الآخر الذي يتوسل، المتوسل يطلب على آخر، لذا كانت السيارة لا تتحرك حتى بمقدار إصبع.
يالله يا شباب.
- ادفعوا يا أخوة الدين.
- اصبروا قليلاً على الدفع ياهوه!
- ما فائدة الاسعاف إذا لم تصل إلى المشفى في زمانها.
- اصبروا قليلاً يا مسلمين، اصبروا على الدفع ياه..
- كلنا مع بعض.
- يالله.
لو أنكِ سمعتِ صراخهم، لظننت أنهم وجدوا دافعة أرخميدس، وسيقلبون الدينا رأساً على عقب. لكنهم لا يحركون حتى عربة على أربع عجلات بمقدار إصبع.
- من الأول مرة أخرى.
- كلنا مع بعض.
كانت قطرات العرق تك .. تك ، تسيل من رأس أنف السائق الجالس خلف المقود. الحق، لم يكن ثمة من يدفع غير السائق. ولأنه جالس على كرسيه داخل السيارة فهي لا تتحرك.
- يالله بقي القليل.
- زكاتكم، لندفع يا شباب.
قال الساق :
- لو تحركت قليلاً من مكانها، لما توقفت.
سأل المعاون:
- معلمي، هل تسير فعلاً إذا تحركت قليلاً.
ماذا تعني بقولك تسير، قل تطير.. ولا يُمكن إيقافها.
يا حفيظ.
كان رجل عجوز يصيح من بعيد وهو قادم.
- همة الرجال تقلع الجبال.
- ماذا يعني الكلام بابا.*
- يعني يا ابني إن الشباب إذا أرادوا – يستطيعون قلب الجبال، رأساً على عقب.
اتركنا من القلب رأساً على عقب، ياهوه.. كفاية علينا تحريكها بمقدار إصبع.
كان الأطفال يدفعون خلف الرجال وفي الدائرة الخارجية، النساء والشيوخ.. وهم أيضاً يخرجون صوت، هيه..هيه، مثل الصوت الذي يخرجه دقاق القهوة – على زعمهم – أنهم يحمسون دافعي السيارة.
- ادفعوا يا أخوان.
- من يحب الله فليدفع هذه البلية.
كان هناك من يقدم بعض وجهات النظر.
- لو كانت هذه السيارة في أمريكا لغدت كالريح وطارت.
لماذا تطير في أمريكا.
- هناك تطير.. لا أدري، لماذا هذه الآلات ذات المحرك تغدو عندنا مثل حمار عنيد وضع أمامه الماء. لا تمشي يا سيدي لا تمشي، إنهم يدفعون دون جدوى.
- أتذكرون القطار الكهربائي؟
- وهل يذكر القطار الكهربائي الآن؟
- ما قولك في أنه لم يمش، يا هوه.
- سيدي، السبب ، مناخنا.
- لا ياه...
لا أقول إلا الحق.. في يوم من الأيام اشترينا سفينة من ألمانيا. السفينة تسير بسرعة عشرين ميلاً في الساعة، ثلاثين ميلاً أو ستين... لم أعد أرى كم ميلاً...
- لا يكون جَمل؟!
- ليس جملاً يا سيدي، أتت بسرعتها إلى أن وصلت إلى مياهنا الإقليمية، وعندها لم تتقدم ولا ميليمتراً واحداً. حتى الأمواج لم تحرك السفينة. أداروها إلى الجهة المعاكسة فانطلقت بسرعتها، وجهوها ناحية مياهنا الإقليمية فوقفت مثل حصان يشرئب ولا يتحرك إلى الأمام.
- لا ياه، وماذا أيضاً؟!
- أيامها، كتبت عنها الصحف، ألم تقرأها؟
- السبب هواء البلد وماؤه، يجب أن يُصنع محرك مناسب لمناخ كل دولة على حده.
- اسمع، هذا الكلام صحيح. الباصات التي تعمل على خط منطقة الأكواخ لا تعمل في أي مكان آخر. في حين أنها على ذاك الخط وظ.. وظ تذهب وتأتي. لماذا تشتغل؟ السبب تعليق عبارة يا (معين) فوق المقود. إنها تسير بقوة هذه العبارة.
- لا ياه...
- أين قباطننا القدماء.. لو ركب قباطننا القدماء – ليس تلك السفينة التي من صنع الكفار – بل لو رَكّبتهم الجزر لسيّروها. لو كانوا موجودين الآن لسيّروا جزيرة قبرص بطولها وعرضها.. وربطوها على رصيف (القرة كويْ)*
- هناك قول عن أحد القباطنة
- هذا، عرفته، إما بربروس* أو المعمارسنان*
أحدهما قال أعطوني الشراع الذي أريد وأنا أسّر لكم جزيرة كريت.
- وهل سيرها؟
- لم يعطوه الشراع الذي طلب. لو أنهم استطاعوا ، لسيّر قبطان البحر الجزر ، وشكل منها أسطولاً.
- يالله يا اخوان، اتركوا الحكي وادفعوا قليلاً.
- مع بعض.. هيه!
- من أول.. واحد.. اثنان.. ثلاثة!!
- تعبنا ياهوه، لنسترح قليلاً ونشرب سيجارة.
- راحت تلك الأيام من زمان، يا سيد، راحت مع الماضي. أصبحت من خبر كان.. أين تلك الأيام؟ كان عندنا الانكشاريون، شارب أحدهم يكفي لشنق أحد الجنود الأعداء.. قَدِّرْ ذاك الشارب.. كان عندنا جوقة الموسيقى العسكرية، كانت ضربة أحدهم على الطبلة تحرك الأرض من مكانها، وتهز السماء. حتى إن وجوه جنود الأعداء تتمزق من الخوف، صراخ جنود بحريتنا كالعاصفة... يغرق سفن الأعداء..
- لا ياه.. ماذا؟
- هذا ما كتبه التاريخ، انظر إلى حالتنا الآن. أربعون خمسون شخصاً مجتمعين ولا تستطيع تحريك خردة سيارة إسعاف مكسورة المؤخرة.
- والله صحيح.. احضر طبال الانكشاريين ولنر فيما إذا كانت سيارة الاسعاف هذه تستطيع أن تبقى مكانها؟ والله لو ضرب الطبال الانكشاري على الطبلة لتحولت السيارة إلى طائرة، تطير وتذهب.
- أنا لا أعرف هذا ولا ذاك... الذي أعرفه، أنهم لم يستطيعوا أن يسيّروا سفينة الألمان في مياهنا الإقليمية.
- تحركوا يا أخوة الدين.. يالله يا سباع، يا أبطال
قال السائق، السابح في عرقه لشدة دفعه من داخل السيارة.
- لو مشيتموها قليلاً لتابعت لوحدها.
- لماذا تسير السفن والقطارات والباصات في الدول الأخرى ولا تسير عندما تأتي إلى بلدنا؟
- تستغرب.. ألم أقل لك، مناخ البلد؟
- نعم، هذه المحركات صُنعت من أجل مناخ دول أخرى، مناخنا لا ينفعها .. إنها مثل الإنسان تماما.. لكل إنسان الطقس الذي يؤاتيه، هواء الجبل جيد للبعض والبحر للبعض الآخر والسهل أيضاً.
- عيب عليك أن تحكي هذا الحكي، وأين يوجد مناخ مثل مناخ بلدنا؟
- حاشا. ليس هناك كلام على مناخ بلدنا.. نحمده على مناخنا الجميل.. ماذا لو كان هذا غير موجود أيضاً. أنا قولي ليس بهذا المعنى.. أنا أقصد لو كان لدينا مصانع لصنعنا محركات تناسب مناخنا.
- ادفعوه قليلاً ياهوه.
- ادفعوا!
- أججت صيحات المواطنين الحماسة فيّ حتى كدت أنسى أنني ميت، وأقوم وأدفع سيارة الإسعاف مع الناس. من مساوئ الموت أنك إذا أردت أن تهبّي لمساعدة الأحياء فلا تستطيعين. حتى إنني لم أستطع الوقوف جانبا لأدعمهم بالصياح.
ذبابة الحمار الحبيبة، بينما كنا على هذه الحال نحمّس بعضنا بين ميت وحي، خرجت سيارة خاصة، وبأعلى سرعة ضربت مؤخرة سيارتنا . بهذه الضربة أخرج محرك السيارة صوت "عن.. عن". ثم قفزت السيارة إلى الأمام وكأنها كلب حراسة يطارد لصاً. (اللي بيحب الله لا يمسك بسيارتنا) . السيارة بدأت تمشي، ماذا يعني تمشي؟ كانت تطير.. السائق على حق، ألم يقل "إذا مشت تمشي على طول" تلبّس السائق الخوف لأن سرعة السيارة تزداد، وهذا يعني أن حرارة المحرك تزداد ارتفاعاً، قال السائق لمعاونه:
- ضربت السيارة الخاصة مؤخرة سيارتنا بقوة، ولم يعد باستطاعتها الوقوف.
- الفرامل، الفرامل يا معلمي.
- أي فرامل يا بني، وهل تفعل الفرامل شيئاً مع هذه السرعة.
لكوني في الداخل لم أستطع مشاهدة خارج العربة وأغلب الظن أن السيارة مرت من أمام مشفى الإسعاف عدة مرات ولكن السائق لم يستطع إيقافها وغضب من معاونه وصاح به:
- ولاه، بماذا ملأت السيارة بنزينا أم زيت نفط؟
لم يخرج المعاون صوته.
كنا ندور في أحياء اسطنبول. ولله الشكر أن السائق كان يتحكم بالمقود جيداً فلم يقع حادث لا أشكره لنفسي من أجل المسكينين،السائق والمعاون اللذين يريدان العيش أكثر.
ذبابة الحمار الحبيبة، نهاية رحلة سيارة الإسعاف التي غدت كدورات الأعياد سأحكيها لك في الرسالة القادمة، لعل وجهك العابس من مماحكات السياسيين في الحياة يضحك ولو قليلاً. أدعك بخير، ذبابة الحمار الحبيبة.
مع محبتي
حمار ميت
• وردت هذه العبارة بالعربية، ومكتوبة بأحرف تركية، لذا يسأله السائق عن معناها.
• اسم المنطقة التي تحوي الميناء الدولي في اسطنبول، وأحد موانئ النقل الداخلي بين اسطنبول الغربية والشرقية.
• أحد القباطنة العثمانيين المشهورين.
• أشهر فناني العمارة في القرن التاسع عشر.
حمود بن زياد
14 / 10 / 2008, 17 : 10 AM
الرسالة الرابعة
(حكاية عطل سيارة الإسعاف)
ذبابة الحمار
مع فرملة سيارة الإسعاف وخروج صوت منها محملاً بالمرارة ، وصل أحد المواطنين إلى مرحلة كاد أن يمسح اسمه من قوائم الانتخابات وسجلات النفوس. ولأن لا مال له ولا جاه، التف حول الرجل الجريح الملقى على الأرض، جمع غفير من المواطنين ممن لم يجدوا وسيلة أخرى للتسلية.
قال واحد منهم:
- محظوظ هذا الرجل.
قال آخر:
- نعم لا يمكن أن يكون هناك إنساناً محظوظاً أكثر من هذا. ليشكر ربه على أنه دُهِس بسيارة إسعاف.
- هذا ما اسميه حظاً.
- المريض المكتوب له أن يعافى يأتيه الطبيب إلى قدميه.. أليست الحسبة نفسها. السيارة التي عفست الرجل تأخذه إلى المشفى. ماذا لو عفسته سيارة أخرى..
- كان سيحرق نفسه. لو تخبط طول النهار على الرصيف لما وجد سيارة إسعاف.
- لا إسعاف يا سيدي.. نحن راضون بسيارة زبالة.
- واخ واخ.. أنت تطلعت عالياً أكثر من الحد.. أين نحن من سيارة زبالة. منذ أسبوع ولا تتنازل للمرور من حارتنا.
- حظ.. هذا حظ يا أخي.. اسطنبول، طولها وعرضها، كم ألف شاحنة فيها، وكم ألف سيارة خاصة ومن نفس العدد (تكسي)، وكم ... وليس فيها أكثر من خمس – ست سيارات إسعاف واحدة منها، تدور .. وتدور... وتدور... وتجد هذا الرجل، أي حظ هذا؟!!
- لا ، عند البلدية عشر سيارات إسعاف، ثمانية منها معطلة باستمرار.
- نعم، على قولك ياه.. من بين كل الألوف من السيارات الصغيرة والشاحنات والباصات تصدمه سيارة إسعاف.
- الفائز بالجائزة الكبرى باليانصيب، لا يعد محظوظاً مثل هذا.
- بالضبط.. المحظوظ فعلاً ، هو من يُصدم بسيارة إسعاف كهذه.
- بعد أن يموت الإنسان ما الفرق معه أن يُدهس تحت سيارة إسعاف ، أو شاحنة، أو سيارة زبالة أو سيارة خاصة؟
- لا فرق إن مات. ولكن تفرق كثيراً لو أنه لم يمت.. وهذا الرجل لم يمت بعد.
كان الرجل المصدوم قد طار مقدار عشر خطوات إلى الأمام في الهواء وسقط على الأرض.. وقد ملأت دماؤه التي تسيل من جروحه ومن فتحات جسمه حفر الإسفلت.
قال أحد المتجمهرين:
- ما شاء الله على دمه.
قال آخر:
- من الواضح ، بالنظر إلى كمية دمه أنه ذو شأن.
- أي شأن أنا أعرفه؟
- إذا كان غير ذي شأن فمن أين له كل هذا الدم؟ انظر الدم يجري وكأنه من ثور مذبوح.
- هذا الرجل محترف بيع الدم(للبنك). كان يحمل مذياعاً صغيراً يضعه على أذنه عندما يقول المذيع مريض بحاجة إلى دم.. يذهب بسرعة إلى المشفى أو (بنك الدم) إن كان دمه يطابق الدم المطلوب. كان يعيش عال العال من بيع الدم.. جسم هذا الرجل الذي أمامك، إذا شرب ماء يحوله إلى دم.
- في يوم من الأيام صدمتني شاحنة. غبت عن الوعي. إن أردت الحق فأنا غبت عن الوعي قبل أن تصدمني بكثير.. المهم، شاحنة بوزن عشرة طن عفستني ولم تسل مني قطرة دم واحدة.. في اليوم الثاني رفعوني من وسط الشارع إلى المشفى. لحظة قول الطبيب "سنجري له جراحة" بكت أمي كثيراً وأصبحت عيناها مثل نبعين وقالت للطبيب "دخيلك يا بني، مادمتم ستعملون له عملية، صارت وصارت، ابني عنده فتق والزائدة، اعملوا له إياهما ينالكم الثواب" .. مددني الطبيب على طاولة العمليات وبدأ الذبح والقطع يقطع ويقطع دون أن تسيل نقطة دم واحدة.
- يعني دمك جاف.
- لا يا أخي أين الدم ليجف.
- إذا جف دم الإنسان فليشرب عرقاً، يتميع فوراً.
- ماذا تقول.. أين الدم ليفسد.
- لا تقبلها، وهل يعيش الإنسان دون دم؟
- ودهش حتى الأطباء.. حتى إن الطبيب الذي عمل العملية قال "لا بأس أن لا دم فيه. لو كان عنده دم حين دهسته الشاحنة لسال وسال حتى لم يبق منه شيء.. عندما كان سيموت" لا يوجد عندي دم ليسيل.
- لا تصدقوه، كذاب.. وهل يدخل في العقل: أن الإنسان يعيش دون دم؟
- لا يمكن مطلقاً أليس دم كل شخص أحمر، دمي أنا أبيض. أتعرف البطيخ قبل أن يصبح أحمر كيف أن لونه يميل إلى الصفرة. دمي من ذاك اللون.
- أيعقل هذا؟
- وهل تحمّر البندورة إذا لم تتعرض للشمس؟ لا، دمي أيضاً. أنا ولدت ونشأت في قبو ولعدم رؤية جسمي الشمس لم يحمرّ دمي.
- ها.. الآن صار كل شيء آخر.. معقول.. قل هذا من البداية.
رموا الرجل المصاب بجانبي. أصبحنا في السيارة جريح وميت والمعاون والسائق وأربعة. ضرب العناد رأس السيارة ولم تعد تمشي... أية عربة هذه ، إذا مشت لا تعرف الوقوف، وإذا وقفت لا تمشي.
قال أحدهم:
- في الجوار ورشة تصليح . لندفعها إلى هناك.
بدأوا الدفع بالحكي.. اللعبة القديمة تجددت. ليس إيصال العربة هو ما يريدونه، لكنهم يريدون أن يتسلوا.. تسلية من دون نقود.
قال واحد من بينهم:
- هل تعرفون كيف رفع أربعون شخصاً بيضة واحدة.
- بيضة واحدة، أربعون شخصاً، وماذا أيضاً؟
- سيدي، قال الملازم أول للجنود "ارفعوا هذه البيضة من هنا" ثم ذهب. إثر ذلك اجتمع الجنود، أحضر أحدهم بطانية من المهجع ووضعوا البيضة فوق البطانية ثم مسك كل جندي جزءاً من حافة البطانية ورفعوها.
- وما القصد؟
- القصد، أنهم يدفعون سيارة الإسعاف بنفس الطريقة.
- بدلاً من تقديم نصائحك لهذا وذاك . . ادفع أنت..
التقى سائق الإسعاف، سائق (تاكسي) من معارفه، ربط سيارة الإسعاف في مؤخرة التاكسي وأخذها للمصلّح. عندما فتح المصلح غطاء المحرك ونظر إليه، صاح بأعلى ما يمكنه:
- ما هذا؟!!
رد السائق ببرود:
- ماذا حدث؟
- ما الذي سيحدث أكثر؟ أنا مصلح لمدة أربعين سنة، في حياتي لم أر محركاً كهذا.
- إذا لم تكن قد رأيت ، هذا أنت ترى الآن.
- في هذا المحرك قطع تبديل من كل أنواع الآلات، من ماكينة الخياطة حتى من ماكينة الحلاقة.
قال سائق الإسعاف ببرود:
- أخطأت بقولك، ماكينة حلاقة. هذا ليس لا أحد براغي (البسطون) لمحرك قطار. في أحد الأيام كنا ذاهبين إلى المشفى بسرعة قصوى مقدارها عشرون كيلومتراً. ومعي مصاب. في الطريق، تعطلت السيارة . أخذناها للمصلح. لم يجد المعلم بدلاً من القطعة الخربانة.
- فهمت..بسبب عدم وجود العملة الصعبة، لا يوجد قطعة تبديل لأي ماكينة. عندما لم يجد القطعة البديلة وضع هذا مكانها.
- لم يكن هذا هو السبب. موديل سيارة الإسعاف، قديم جداً. لا يوجد الآن أي محرك من نوعه. ما العمل؟ سيموت المصاب في السيارة من النزيف. لو كنا في المدينة، سهلة. كان بإمكانه لف الجرح، تعمل امصال على شكل طرد تضعه أمانة عند رجل ما، وتذهب إلى المشفى وتعطيهم خبراً. لكننا لسنا داخل المدينة. المهم، دلنا فاعل خير: "هناك ورشة للخطوط الحديدية، في الورشة معلم يفك محركات القطارات القديمة ويعمل منها جرارات. والجرار يعمل منه رافعة، عَمله، الفك وصنع أشياء أخرى. لا يستعصي عليه شيء" ذهبنا إلى تلك الورش. الرجل معلم أعطيناه الأجرة وفهم عطل المحرك. جرب كل ما في الخزائن، على الرفوف، في أرض الورشة من براغي، عزقة، مسمار، محور دراجة على دراجة على أن تركب مكان القطعة المعطلة في محرك سيارتنا، فلم تركب. بعدها طابق برغي مسنن ذراع (البسطون) لمحرك قطار، القطار الخاص بالسلطان.. لا أعرفه.. ركّبه للمحرك، فاشتغلت السيارة.
سأل المعاون السائق:
- ألهذا السبب يخرج صوت (شق، شق) من سيارتنا؟
قال السائق:
- من المحتمل.
قال المصلح للسائق:
- (بتحب الله)
- لا إله إلا الله.
- وبعد.
سيدنا ، بعدها ، وقع نظر بعض السياح على سيارتنا، صوروها ، نشروها في جرائدهم وكتبوا تحتها "سيارة، من قبل اختراع السيارات بخمسين سنة" عندما قرأ مدير المصنع الذي صنع سيارتنا الخبر. حمل نفسه وأتى إلينا لرؤية السيارة. كان المصنع يبحث عن أقدم سيارة صنعها، ليضعها في المتحف. عندما رأى الرجل سيارة إسعافنا – لشدة سروره – رمى قبعته في الهواء. وصرخ بالأمريكي "هووو...". اجلسوا للاتفاق. دفع الرجل مقابل خردتنا هذه عشر سيارات إسعاف جديدة، مع قطع تبديل. كانت سيارتنا تغطي عجز الميزانية.. المهم، جماعتنا لانوا قليلاً.. لا ندري كيف خطر ببال الرجل أن يرى محرك السيارة. لحظة فتحوا الغطاء ورؤيته للمحرك، شخصت عيناه، كأنه أصيب بمس. قال: "أنا أصنع سيارات منذ أربعين سنة لم أرَ ولم أسمع في حياتي عن محرك كهذا"
- ما سبب إصابة الرجل بكل هذه الدهشة؟!!
- لماذا لا يُدهش.. في محرك سيارتنا قطعة – قطعتي تبديل من كل ماركة من الماركات الموجودة على سطح الأرض. أو محركات مصانع أو سفن. لم يبق في المحرك الأصلي لا قطعة ولا حتى برغي. هذا يعني أننا خلال هذه الفترة فكينا كل قطع المحرك، وركبنا بدلاً عنها كل ما يقع تحت يدنا. بدأ الرجل يخربط المحرك مذهولاً. طلع بيده خيط. سأل: "ما هذا: قلت: "قطع السلك الذي كان هان فربطت الخيط مكانه". خرجت بيده قطعة مطاط من مكان آخر، فقال: طيب، وما هذا؟ قلت: هذه حمالة بنطالي. انقطع (قشاط) المحرك فوضعت مكانه حمالة بنطالي. كنت أتكلم مع الرجل بواسطة مترجم. قال الرجل "هنا اثنتان" قلت: "نعم حمالتي مقطوعة ففككت حمالة بنطال المصاب الذي في السيارة" عندها بدأ الرجل يشد شعره. بهزة صغيرة للسيارة نزل منها بين كبير وصغير عدد من البراغي والمسامير!! بيورات خشبية! أمسكت بيده وقلت: "لا تُعامل هذه السيارة كما يعامل المواطن في مديرية الأمن عند التحقيق" سأل: "ما هذه المسامير؟ هل تحمّلون في السيارة مسامير!". نستعملها لتثبيت القطع التي نركبها بدلا من الأولى. عندما تمشي السيارة في طريق صاعد ينزل المعاون ويلملم البراغي والمسامير من خلفها. غضب الرجل، تغير لونه وسأل: "كيف تمشي هذه السيارة؟ أتى دوري في الكلام، ولم أعد أحتمل، سحبت الرجل من يده وأقعدته خلف المقود. تكلمت والمترجم يترجم له: "هل تظنون أن بإمكان السيارة المسير بالمحرك الذي صنعتموه أنتم؟ ! طز . لو بقيت على ما صنعتم لخربت بل وعفنت منذ زمن طويل.. البركة في دعائنا. انظر فوق المرآة ، انه دعاء النمل. هنا "البسملة" وهناك "ماشاء الله" وفي السقف "ياحافظ" وهذه خرزة زرقاء تحمي السيارة من عين الحسود. هذه فردة حذاء طفل قديمة، وحدوة ورأس ثوم تجلب الحظ للسيارة... وهذا درع سلحفاة صغيرة تحمي السيارة من الحوادث. اصحُ لنفسك يا سيد.. هذه السيارة لا تعمل بقوة البنزين والمحرك. هذه تعمل بقوة الله ونبيه. قال بنزين، قال زيت، قال ماء.. هذا كله حكي فاضي. لو أننا نضع بنزيناً وزيتاً وماءً لكانت السيارة سيارتكم. أعلم أننا لا نضع هذه الأشياء إلا مراعاة للأصول. "عَدَلَ الرجل عن شراء سيارتنا، وترك (هالكافرة) على رأسي. ليس في هذه السيارة أي قطعة باستثناء الهيكل وهو مثل (البقجة) المرقعة. بالتالي لا يستطيعون قيادة هذه السيارة أبداً.
طالت الرسالة يا ذبابة الحمار الحبيبة وأنا تعبت أيضاً. في الرسالة القادمة أحكي لك كيف أُصلحت السيارة، وكيف نُقلت والرجل الجريح إلى المشفى . لو سأل عني أحد، وأبدى حزنه بعد موتي قولي له إنني أنتظره بشوق في المقبرة.
لك إخلاصي
حمار ميت
__________________
حمود بن زياد
14 / 10 / 2008, 19 : 10 AM
الرسالة الخامسة
( حكاية صدم سيارة الإسعاف بالشجرة)
عزيزتي ذبابة الحمار:
وعدتك في رسالتي السابقة أن أحكي لك كيف أُصلحت سيارة الإسعاف، ونُقلنا إلى المشفى. اسمعي:
أدخل المصلح رأسه داخل المحرك محاولاً معرفة مكان العطل. لكنه لم يستطع بأي شكل، رغم تكرار المحاولات. كان يخرج رأسه بين فترة وأخرى يسب ويشتم لمدة دقيقتين، يرتاح بعدها، يشرب سيجارة. ثم ينحني على المحرك من جديد يحادث سائق السيارة.
- يا أخي ما دام الرجل أتى إلى هنا لشراء هذه التحفة. لو كنتم (أرخصتموها) عليه وتخلصتم من هذه البلية. أنتم تتخلصون، ونحن أيضاً، والوطن كذلك... من ناحية، لو أخذ هذه الخردة إلى هناك ووضعها في (شادر) وقطع بطاقات من أجل رؤيتها.. سيجمع من ورائها نقوداً كثيرة... انحنى مرة أخرى على المحرك وبعد فترة من (خربطته) قال:
- كيف لي أن أكشف العطل وليس في هذه السيارة شيء سليم؟
رفس السيارة. تألمت قدمه. ذهب إلى الدكان وهو يعرج. جلس القرفصاء أسفل الدرج. كيفما كان، أنا ميت ولا يستطيعون إنقاذي... يا ليتهم استطاعوا إنقاذ الجريح الذي بجانبي. قذف معاون سيارة الإسعاف بصقة على الجريح الذي في العربة وقال:
- في حياتي لم أرَ أنحس من هذا الرجل.
غضب السائق وبدأ يحادث نفسه:
- يمشون في الطريق ولا ينظرون أمامهم فيُدهِسُّون أنفسهم ويبلوننا.
انضم المصلح إلى الحديث من مكانه:
- ماذا يستفيدون من النظر أمامهم.. إذا لم يُدهسوا بالسيارات التي تأتي من أمامهم. فيدهسون بالتي تأتي من خلفهم.
- استغفرك يا رب.. لا تدخل في شؤونه تعالى.. سبحانك يا الله، فعلت حسناً أنك خلقت للإنسان عينين اثنتين.. لكن بدلاً من أن تجعلهما بجانب بعضهما، لو وضعتهما واحدة في الخلف وواحدة في الأمام.
قال المعاون:
- عندما خُلق الإنسان لم تكن هناك زحمة مواصلات مثل الآن.
قال السائق للمصلح متوسلاً:
- دخيلك يا معلم. دخيل عينيك... الجريح يموت داخل السيارة من النزف.. قد يطلع أحد أقربائه مسؤولاً فنبتلي.. دبرها، الله يخلي لك (هالعين)
وقف المصلح ودَسّ رأسه تحت غطاء المحرك. وخربط فيه لفترة .. نهايتها عرف أين عطب المحرك. عرف لكنه لم يجد القطعة المطلوبة.
قال:
- لا يوجد منها.
- دخيلك يا معلم.
قال المعاون:
- إذا كانت غير موجودة في أي مكان ، سأذهب وأسأل الصيدلية.
قال السائق بلهجة تأنيب:
- هو دواء ولاه..
قال المعاون:
- أين الدواء من الصيدليات يا معلمي.. حتى الاسبرين لا تجده في الصيدليات. ما عدا الدواء كل شيء موجود.. ممكن أن نجد القطعة التي نبحث عنها.
- لقد جرّبت كل القطع التي عندي ليس بينها ما يَصْلح. منذ فترة، وقعت تحت يدي خردة محرك طائرة نفاثة لأبحث بينها لعلي أجد ما يركب مكان القطعة.
قال السائق:
- إذا كان أجل هذا الجريح لم يأتِ بعد ستركب إن شاء الله.
أدخل المصلح يده بين القطع الصدئة وهو يقول "بسم الله" ثم أخرج واحدة، نفض عنها الغبار، وضعها على طاولة العمل، بردها بالمبرد الخشن ثم الناعم، (جلخها)، عمل لها عملة. أدخلها في مكان من محرك السيارة. ثم وقف مقابل السيارة وصرخ فرحاً:
- إيه، ما شاء الله، كأنها تفصيل ياه..
جلس السائق في مكانه من السيارة قال المصلح:
- النقود.
رد السائق:
- تعال إلى المشفى، اقبض نقودك.
- هذا يعني، احترقنا.
- لا تشغل بالك، تتأخر قليلاً. ولكن من المؤكد أنك ستأخذها.. ارفع مقدار الفاتورة وقابلنا بعد أن تقبضها.
- فهمت لماذا كان السائق لا يريد أن يتخلص من الإسعاف. لو كانت جديدة ، لما احتاجت للتصليح بهذا القدر. وبالتالي تقطع رزقه. هذا ما فهمته من قول المعاون للسائق:
- ما يدفع لتصليح هذه الخردة لمدة ستة شهور يكفي لشراء سيارة إسعاف جديدة.
- يبدو أن السائق فهم أكثر مما تعنيه حرفية هذا الكلام.
- لا تطولها، سأنظر في أمرك.
- قال السائق:
- يا الله.
صاح المصلح من خلف السيارة.
- انتبه! لا تسرع. إنها قطعة نفاثة، الله يحميها. من الممكن بأن تفاجأ أن خردتك هذه تطير.
بتدوير مفتاح التماس، وضغط السائق على (المَرْشْ) اهتزت العربة، زعقت، رفعت أنفها في الهواء، سارت وهي ترتجف.
صرخ المعاون:
- نطير أم ماذا! دخيلكم!
قال السائق:
- حتى الآن، ولكن من الممكن أن نطير.
حدثت هزة قوية.
- هل هذا جيب هوائي.
- لا تمد ذراعك من النافذة ولاه.
- لماذا؟
- حتى الآن يسأل . سيصبح ذراعك جناح وتطير السيارة.
عُدنا ندور في أزقة المدينة المتعرجة الضيقة. قال السائق:
- (يقطعها من هالعادة) السافلة، لا تمشي، لا تمشي، بعدها إذا مشت لا تعرف التوقف... آخ.
- دخيلك ما الذي حدث؟
- هزة قوية أسقطت كل قطع المحرك.
- لا تقلها يا معلمي.
- لم يبق في السيارة ما يدعى محرك.
- كيف تسير؟
- ألم ننطلق بسرعة، إنها تسير الآن بقوة ذاك الانطلاق...
- إلى أين ذاهبون؟
- غير معروف، قاع جهنم مثلاً.
- ماذا سيحدث.
- من أين لي أن أعرف.
- دخيل الحمار.. وهل يوجد مثل الحمار.. لو حملته زيت نفط لما طار هكذا. يستعملون الحمار، عندما يذهبون لنزهة يصطحبونه معهم. من ناحية العناد فهو عنيد، ولكن مهما فعل، في النهاية يعود إلى اسطبله لا يمكن أن يفعل مثل هذا. لا تدري إلى أين ذاهبة. إذا ركبت الحمار وسرحت به فما عليك إلا أن تتركه يفلت نحو الاسطبل فيعود لوحده. عندما تصل إلى الباب "تك" يقف. لا يفعل مثل هذه ، تذهب وتجيء من أمام باب المشفى دون اكتراث. لا يمكن أن تكون أرواح المواطنين مؤمَّنَة إلا إذا صنعوا سيارة إسعاف تدخل (الكراج) من نفسها.
قال السائق:
- ليس هذا وقت للهبل، انكب كل البنزين، ورغم هذا تطير . لو نصدمها في مكان ما ونوقفها ليس من طريقة أخرى لتوقيفها ، زَوَدتّها.
قال المعاون متوسلاً:
- دخيلك! إذا كنا سنصدم فاختر لنا مكاناًَ جميلاً، مرتفعاً ويكشف البحر.
- ما قولك في شجرة؟
- لا بأس ولكني منحوس ، الآن نصطدم في شجرة ايلنطس*. أو أجاص بري فيصبح موتنا فاجعة فوق فاجعة. إذا كان لا بد للإنسان إلا أن يصطدم بشجرة فلتكن مزهرة.
- تفوه. كنا سنصطدم بالجدار.
- الجدار مكتوب عليه: "مكان خاص لتبول الحمير"... انتبه لا تصطدك فيه فتنعفس السيارة وتغدو رقيقة وتلصق بالجدار فيظنها المارة إعلان جداري لمعمل السيارات.
بينما كانوا يبحثون عن مكان جميل وليّن مناسب لصدم السيارة وقعت هزة كبيرة أخرى أخذنا بعضنا إثرها – أنا والجريح – بالأحضان. قال الجريح:
- عفواً
الرجل لا يتنازل عن تربيته حتى وهو في طريقه للموت. كوني ميت لم أخرج صوتي قال السائق:
- الحمد لله أننا اصطدمنا ووقفت السيارة ومرت على خير
ذبابة الحمار الحبيبة، هل يموت الإنسان لو كان يعلم أن كل هذا سيقع له. جمل لو كانت انتهت عند هذا. لم يكفِ ما كنت أعانيه في حياتي، هناك ما ينتظرني بعد مماتي.
في رسالتي القادمة سأحكي لك ما وقع لي بعد ذلك.
مع تمنياتي بالنجاح والسعادة يا عزيزتي ذبابة الحمار.
مع محبتي وأشواقي
حمار ميت
حمود بن زياد
14 / 10 / 2008, 21 : 10 AM
الرسالة السادسة
كيف نقل الجرحى (بالتاكسي)
صديقتي الحبيبة ذبابة الحمار:
لقد شرحت لك في رسائلي السابقة مصاعب الموت. لا أقصد تحطيم معنوياتك نهائياً. أحكي ما حدث لي تماماً وبواقعية، بعدها تصرفي كما يحلو لك، اصبري إن أردت العيش، أو موتي إن أردت التخلص..
أبدأ الحديث من حيث توقفت في الرسالة الماضية. صدم السائق مقدمة سيارة الإسعاف صدمة لينة بشجرة. المعاون أو من نزل من الإسعاف، وقال:
- ليس فيّ أي عطل فني.
قال للسائق:
- ماذا ستفعل الآن يا معلمي؟
- الله يلعن الشيطان، في الداخل ميت وجريح ينزف.
- لنوقف سيارة عابرة.
تمر السيارات من يميننا ويسارنا (وظ..وظ..) دون توقف.
قال السائق:
- لا أحد يقف لنا.
- لماذا؟ أمن أجل النقود؟ يأخذ نقوده من المشفى.
- أي غبي يحمل جريحاً في سيارته لتتصبّغ بالدم. سائقو هذه الأيام لا يُركّبون معهم من لا يعجبهم من الأحياء. أنا كنت سائق (تاكسي) قبل أن أعمل في الإسعاف. أنا (فنار بهجي*) متعصب. لوّنت داخل السيارة ، خارجها، فرشها، هيكلها وعجلاتها بأعلام* فنار بهجة صارت مثل العروس. أنتظر على الموقف. يأتيني زبون. أنظر إلى شكله. إذا لم يدخل مزاجي أدبره قائلاً: "عندي زبون يا صاحبي" يأتي آخر، أصرفه. أحياناً يتوجب عليّ أن أقوم بمناورة عودة معه فأسأله "إلى أين ذاهب؟" إذا كان ذاهباً إلى مكان على مزاجي، آخذه. إذا كان ذاهباً إلى مكان قريب أن طريقه خربانة أو لا يعجبني اسمه لا آخذه أيضاً.. وإذا كلّب الرجل وأصبحتُ مضطراً لإيصاله، آخذه بالحديث حتى أوصله إلى سؤاله عن حزبه أو فريقه الرياضي. الحزب غير مهم، من المعيب واللاديمقراطية أن أتكلم إذا لم يكن من حزبنا، أما إذا كان من أنصار فريق خصم للفنار بهجة، أقود السيارة ببطء لكي لا يصل إلى المكان الذي يريده في الزمن المناسب، ثم أقف في مكان خاوٍ، وأقول خربت السيارة وأنزله منها. أختار في هذه الحالة مكاناً يسير فيه المقلب على أكمل وجهه، بحيث لا يجد سيارة ويكمل مشواره ماشياً. هذه صنعة ليست سهلة، كل شخص ممكن أن يقود سيارة، ولكن الشغلة، في معرفة هذه الأشياء.
سأل المعاون السائق مرة أخرى:
- ماذا ستفعل الآن؟
قال:
- سهلة، لو وقفت إحدى هذه السيارات.. ننظر إلى الشعار المعلق (بالتاكسي). عليك أن تمثل دور النصير للفريق المعلقة شارته في السيارة، ثم تبدأ الحديث "لعب جماعتنا في الأسبوع الماضي (كويس)، لكن الحظ لم يحالفهم.." أو بعبارة أخرى من هذا القبيل، ويكمل الرجل الباقي. بعد لحظات تجد نفسك أقرب إلى الرجل من أقربائه. من الممكن ألا يأخذ منك الأجرة . عملنا الآن إيقاف سيارة. يا الله، انزل إلى الطريق وحاول إيقاف (تكسي)!
نزل المعاون إلى وسط الطريق. رفه يده لإحدى السيارات التي تذهب وتجيء (وظ وظ ) . كانت سيارة خاصة. أخرج الرجل يده من الشباك ملوحاً. قال المعاون بينما كان الرجل يلوح بيده وهو ذاهب:
- أماه، الرجل سلّم علينا.
قال السائق:
- رد السلام ولاه. السلام لله. إذا أحد سلّم ، عليك أن ترد. حتى إذا سلّم عليك عدوك اللدود، عليك أن ترد بـ "عليكم السلام".
أعطى المعاون إشارة توقف لسيارة أخرى فمدت من نافذة السيارة رِجْلُ امرأة. كلما ألح المعاون بتلويج يده، كانت رجل المرأة تُلّوح أيضاً. غَضِبَ المعاون ، قال:
- واخ سافلة، تسلم برجلها..
قال السائق :
- لا تزعل هذا السلام ليس لك، الرجل الذي في داخل السيارة هو الذي كان يسلم.
بينما كان المعاون يقترب ليوقف سيارة قادمة، قال له السائق:
- لا تُتعب نفسك. هذه لا تقف.
- لماذا يا معلمي؟
- أولاً، سيارة خاصة. ثانياً ، انظر إلى الرجل الذي يقودها. إحدى يديه على المقود والثانية على كتف المرأة بجانبه! لو وضعت إشارة رسمية أمامها لقفزت من فوقها مثل حصان سباق يجتاز حاجزاً. إذا خرج زوج المرأة التي في السيارة عندها لا أدري...
وكما قصد السائق حصل. عندما اقتربت السيارة منا، ازدادت سرعتها حتى أن المعاون انكب على الأرض ليتجنب تأثير ريحها..
قال المعاون:
- فرمان سلطاني لا يوقف هؤلاء.. ماذا سنفعل؟ الرجل ينزف سوف لا أرد. سأخرج أمام أول عربة تمر.
لم يكد ينهي كلامه حتى خرجت سيارة مثل العاصفة. كان المعاون سيرمي نفسه أمامها لولا أن مسكه السائق من يده.
- أمجنون أنت؟ الأغرار مثلك يظنون أن السائق يكفيه أن يتعلم القيادة ويأخذ فكرة عن المحرك.
- طبيعي، وقواعد المرور أيضاً.
- هذا لا يكفي حتى تصبح سائقاً جيداً.. ما عليك أن تتعلمه ما هو خارج القاعدة. وهل يمكن الوقوف أمام تلك السيارة؟ إنها دليل عزرائيل.. هذه السيارة تدور في شوارع المدينة على ابن آدم لتأخذه تحت عجلاتها. قبل كل شيء انظر على لوحتها ثم لونها.
- ما لوحتها؟
- من التي يسمونها البلاء الوطني.
- لونها؟
- يغطط القلب.
لم يكد يتحرك المعاون لإيقاف سيارة من بعيد حتى أمسكه السائق من يده وشده وصاح به:
- أجننت؟
أتت السيارة باتجاه الإسعاف تصفر مثل سهم. قفز كل من المعاون والسائق خلفاً، أنقذا روحيهما.
قال المعاون:
- أنا أعرف أن الحيوانات تَكْلَب. ولكن هذه أول مرة أرى فيها سيارة كَلِبَة.
قال السائق:
- ليست السيارة هي الكلبة بل الذين بداخلها كلاب. إنهم من أولئك الذين "يعيشون بسرعة".
- من هم أولئك الذين يعيشون بسرعة؟
- أولئك البليات ذوو الأرواح، الذين يربون على دلال أمهاتهم وصرف نقود آبائهم التي تأتيهم من دون تعب. يعيشون بأقصى سرعة. لماذا يعيشون بسرعة؟.. في الألف شخص في هذه الدولة يعيش واحد فقط ويظن الباقون أنهم يعيشون.. هذا الواحد سريع جداً لأنه بدل من ألف.. ضع في سيارة الإسعاف المهترئة هذه بدلاً من كل ألف حصان ألفاً. كيف تسير؟ هكذا يسيرون.
كانت ثمة سيارة آتية، لا يقال عنها آتية لأنها أخت الريح، منطلقة في الطريق مثل الرصاص. مرة إلى هذا الطرف ومرة إلى ذاك راسمة خطاً متعرجاً، قال السائق:
- من الممكن أن تقف هذه السيارة.. ليس لها مستقبل، لأنهم ملؤوا خزانها بالعرق بدلاً من البنزين. غداً ستقرأ في الصحف أن السيارة سقطت بالبوسفور.
سألني الجريح الذي بجانبي :
- عفوكم، لماذا أنتظر؟
قلت:
- أعذروني، أنا لا أستطيع الكلام لأنني ميت ولكن لم يخرج لأن صوت الأموات لا يُسمع.
لكون المعاون شاباً حساساً. فهو يريد أن يفعل شيئاً لإنقاذ الجريح لذلك كان يُخبَطً دون جدوى. قال:
لأتصل من مكان ما هنا بالمشفى على الأقل يرسلوا لنا سيارة نأخذ بها الجريح.
قهقه السائق حين سماعه هذه العبارة كانه سمع طرفة. لشدة ما ضحك (تدعبل) على الأرض حتى كأنه أصيب بنوبة عصبية.
- ماذا حدث؟ ما هنالك يا معلمي؟ لماذا تضحكون؟
كان السائق يتأتئ بأشياء مثل ( ت .. تل .. تلفون .. هاء) ثم تخلص من زوبعة الضحك، وسأل:
- ألا يوجد هاتف؟
- إذا كان على وجوده فهو موجود. ولكن ما فائدته إذا لم ينفع للاتصال.. واخ واخ واخ.. حتى تتصل وتتكلم مع المشفى لا يبقى في جسد الجريح نقطة دم.
- صحيح، من دوختي، ظننت أنه يمكن الاتصال بهواتفنا.
نط السائق قائلاً:
- يا هوه.. كيف لم نر هذه السيارات كل هذه الفترة. أنظر إنها واقفة في ظلال الأشجار.. اذهب لعلك تجد صاحب ضمير يساعدنا.
ذهب المعاون. عند عودته كان يبدو اليأس على وجهه
قال:
- في تلك السيارات أناس من طبقة اجتماعية راقية جداً.
- كيف عرفت؟
- كل هذه الفترة وأنا أراقبهم. من خلال مراقبتي لم أرَ أياً منهم في وضع طبيعي.. هذا يعني أنهم من الطبقة الاجتماعية الراقية .. لا أدري ماذا يسمونهم؟ طبق القتسطة على ما أظن.
- ليس طبق القتسطة يا بني. طبق القشطه؟
بعد أن عملا فترة طويلة على إيقاف سيارة في الطريق ، وقف تكسي أخيراً. عندما فهم السائق أنهما ليسا من الزبائن، وأنهما موظفا الإسعاف التي تحمل مواطنين عملا حادثاً فقال:
- مشغول، ذاهب لعند زبون.
قال سائق الإسعاف:
- نحن أبناء مهنة واحدة. لا تعمل فينا هكذا نقاصة. أخذت رقم سيارتك والباقي تعرفه أنت.
قال سائق التاكسي بعد هذا الكلام:
- يالله لم يطاوعني ضميري على ترككم، لو دفعتم أم المئة أوصلكم إلى أقرب مشفى.
بينما كنا نضع الجريح في السيارة. بدأ سائق التاكسي يصرخ:
- لا يصير. رجعت بكلامي. انصبغت السيارة بالدم.
سأله سائق الإسعاف:
- من أي نادٍ أنت؟
- بشكطاشي.
- ولاه يا صاحبي، هل يمكن أن تكون بشكطاشياً وتترك جريحاً بشكطاشياً وسط الشارع؟ ولا تسأل من يكون هذا الجريح؟ ألا تعرف أن هذا الجريح هو جناح فريقنا الأيمن؟
وقف سائق الإسعاف أمام الجريح كيلا يرى وجهه وهو يتكلم.
قال سائق التكسي:
- واخ واخ ما كنت أعرف.. ثم جلس خلف المقود.
- كنت قل هذا من الأول يا أخي.. آخذه على رأسي. ما السيارة فداؤه، قل بشكطاشي قبل أن تُركبه.
ذبابة الحمار الحبيبة، هذا أنت ترين. إذا كان على الموت فقد مت، ولكن لم أمت رسمياً حتى الآن.
مع أجمل تمنياتي
حمار ميت
* أحد أندية الدرجة الأولى (فنار بهجة).
* لكل نادي علم خاص به يحمل ألوانه.
حمود بن زياد
14 / 10 / 2008, 23 : 10 AM
الرسالة السابعة
كيف ضربت (التاكسي) عمود الكهرباء
عينيَّ ذبابة الحمار:
وضع سائق الإسعاف والمعاون، الجريح في التاكسي خادعاً السائق على أنه الجناح الأيمن لفريق البشكطاش. سندّاني بجانبه كأنني حي، وجلسا بجانب السائق. أصبح في السيارة ثلاثة أحياء، وجريح لا نعرف لحظتها فيما إذا كان لا يزال حياً أم لا، وميت هو أنا.
- ستفوح رائحة الميت من الحر.
قال سائق الإسعاف:
- لن يفوح شيء.. ثم أي حر!.. الجسد جف منذ زمن.
يبدو أن كلام السائق صحيح. كنت أحس أنني أجف ببطء كما الفسفس في الشتاء عندما لا يبقى في داخله شيء. كدت أسلق لشدة الحر، حر الخارج، حر الداخل من المحرك وحر صفيح السيارة.
الجسد الذي سيخرجونه من السيارة ليس جافاً بل مسلوقاً.
مرت السيارة بموقف سرفيس، في الموقف أربعة صفوف من الركاب نهايتهم غير واضحة بالنسبة لنا.
ثمة أصوات:
- داخ ، أغمي عليه.
أوقف شرطي المرور التاكسي ووضع بجانبنا رجلاً سميناً أصابته ضربة شمس جراء انتظاره الطويل في الموقف.
أصبح عددنا في المقعد الخلفي ثلاثة. مغمى عليه، جريح، ميت، قال الرجل المغمى عليه:
- لو ما عملت (نمرة) الإغماء هذه لأغمي علي من شدة الحر.
غضب سائق التاكسي كون إغماء الرجل السمين (نمرة). قال سائق الإسعاف:
- لا تهتم، لا يتوافق التعصيب في الحر مع الجلوس خلف المقود. الزبد يفور من فم السائق حتى أنه لو نودي "يا روحي" لرَدَ "تطلع روحك". السمين رجل ثرثار. إذا بدأ الكلام لا يسكت. قال أنه دخل فحص قيادة السيارة، نجح ثلاثة أشخاص من المتقدمين الثلاثمئة. كان الأول على الناجحين الثلاثة. قال أيضاً، إن أصعب مرحلة من الفحص كانت تمرير السيارة بين الأعمدة بشكل متعرج دون إسقاط أي عمود. الرجل السمين يحكي وسائق التاكسي يهز برأسه يميناً ويساراً غاضباً. ثم يكملها السمين بقوله:
- الذين يسمون أنفسهم سائقين لا يستطيعون المرور من بين الأعمدة دون أن يسقط منها شيء.
عندها على السائق غضباً:
- ماذا .. لا يمروا؟ .. أهكذا من يسمون أنفسهم سائقين؟ أنا.. أنا؟ أنا أمررها بين عمودين بعرض السيارة.
قال سائق الإسعاف مهدئاً:
- سبع . تمررها. شهم، تمررها!..
لكنه ازداد غضباً
- ماذا يعني؟ وهل هذه شغلة صعبة؟ ماذا يقول هذا ياه؟ ولاه أنا، أمثالك أزرعهم مثل الشتل وأمرر السيارة وهي ترقص الفوكستروت*.
غضب الرجل السمين.
- يا صاحبي، لم نقل أنك لا تستطيع تمريرها، تمررها، ولكن بصعوبة.
ضرب كل من حر الجو وحر محرك السيارة وحر صفيحها عقل سائق التاكسي.
- ماذا.. بصعوبة، هذا؟ أنا أصف أمثالك صفين وأمرر السيارة دون أن ألمس ذيل أي منكم.
- يا صاحبي، هل هناك من سمَّعك ، أو قصدك بحكي؟ لم نقل شيئاً يخصك أنت كل ما قلناه "من يسمي نفسه سائقاً".
- ماذا يعني هذا؟ أنا من يسمي نفسه سائقاً اترك لي مسافة بقدر السيارة وزيادة إصبعين لأمررها.
- الذي قصدته أن في هذا العمل صعوبة..
- حتى الآن يحكي.. أتراهن؟
- ياهوه.
- مابدها حكي.. تراهن؟ بجد.
- يا صاحبي.
- ما في صاحب، مني خمسة ومنك واحد..
- يا أخي
- لا تطولها.. أنا أمرر هذه السيارة على السراط المستقيم ولاه.. غَضَب السائق يتزايد.. الطريق مناسب، السيارة تطير.. كأنهم تراهنوا .. اشتد غضب السائق ، وصرخ:
- مني خمسة ومنك واحداً خمسة لواحد.. أتراهن؟
يضغط على البنزين..
بدأ المحرك يقرقع. كم جميل لو سارت السيارة بشكل مستقيم. لكن الطريق مزدحم، ولكي يرينا السائق مهارته، كان يذهب إلى يمين الشارع ثم إلى يساره.. يمر على يسار (ترام) ثم من يمين (باص) بعدها من أمام شاحنة، إنه يسير بشكل متعرج إلى الأعلى والأسفل كأنه يقفز على (التريبولين).
كان يقول:
- دخيلك، اصطدمنا..
عندما مر عن يسارة أحد المشاة وفتل أمامه لم يبق مقدار شعرة حتى يضرب (بالترام).
- واطي من لا يدفع خمسة مقابل واحد، رهان تمرير السيارة في مكان لا يزيد إصبعين عنها، حتى لو بقي مقدار شعرة لمررتها.
- دخيلك يا أخي، تمررها. والله، بالله تمررها، ها نحن رأينا.. لقد مررتها.
غضَب السائق جعله لم يفهم كلاماً. كان يصيح – بينما كانت شرطة المرور خلفه تزمر (يو..يو).
- أنا أضع مقابل الواحد خمسة. أرني رجولتك ، إن كنت رجلاً..
- يا أخي ربحت الرهان أنت.. بهدوء كرمى لله..
- سحبت كلامي يا أخي..
لكن السائق لم يعد في وضع يبدو أنه سيستمع لكلام. يتجاوز السيارات بالجملة.
قال الرجل السمين يتوسل:
- أنا سأنزل هنا.
السائق لا يعبر انتباهاً لا للرجل السمين ولا لشارات المرور، حمراء كانت أم خضراء. خربط الشارع كما لو أنه فرخ ديك بري، يغبر ويدخن.
- خمسة مقابل الواحد، أتراهن؟
على ما يبدو أن السائق لن يقف حتى ولو وصل الحدود البلغارية . لقد أثر الحر على عقله. ألا يَخرب محرك هذه السيارة، أو تنفجر لها عجلة. أو ينفذ وقودها، لو كان الإنسان على عجل وركب سيارة لما مشى مئتي خطوة إلا ويخرب محركها أو تنفجر لها عجلة أو ينفذ بنزينها أو زيتها أو ماؤها..
يُدور المقود إلى أقصى اليمين ثم اليسار وهو يصيح:
- خمسة لواحد!
تطارد سيارات رجال الشرطة في أفلام المغامرات سيارات المجرمين مثل ما يفعل سائق التاكسي. كان ينبعث من السيارة، عجلاتها، فراملها، محركها ، أصواتاً لم أسمعها من قبل.
- ون ون .. زززت .. دررر.
يقفز مَن في يمين السيارة لينزل جالساً في حضن من هو في اليسار وكذلك من في اليسار يأتي ماسكاً برقبة من في اليمين... صرنا مثل شوربة.
كانت السيارة (نط نط ) تمشي حجلاً. شيء قرقع شيء ضربني على رأسي، السيارة ذهبت إلى الأمام أولا ثم عادت إلى الخلف، نظرت وإذ بالسيارة قد انقسمت إلى نصفين. عمود كهرباء منتصب وسطها. العمود قسم السيارة إلى نصفين.. أنا ضمن هذه القرقعة مُتُ مرة أخرى. ولأنني مت قبل هذه المرة لم أستمتع بطعم الثانية. المساكين أمثالنا يعيشون مرة، هذا إذا عُدت عشية، لكنهم يموتون مرات.
أتخيل السمين الثرثار.. لم يعِ ما حصل . فقال:
- عندما ركبنا السيارة لم يكن هذا العمود فيها يا هوه.. من أين دخل بيننا.
جلس سائق التاكسي في المكان الذي ارتمى إليه كالجنين في رحم أمه، فخذاه يلامسان بطنه ويصيح:
- أضع مقابل الواحد خمسة، خمسة لواحد.. أنا؟.. أ .. أنا؟ أأنا لا أمررها؟ يكفيني مقدار إصبعين...
كنت هذه المرة محظوظاً فالحادثة وقعت في وسط المدينة. وصلت الشرطة بسرعة. ملؤوا بنا تكسي أخرى.. لم أستطع ولا بأي شكل الدخول إلى ما تحت، وقطع علاقتي بما فوق ، التراب.
كأن ما يتحمله الواحد منا وهو حي لا يكفي، ليتحمل وهو ميت.
أتركك بعافية يا أختي ذبابة الحمار، وأتمنى لك دوام السعادة.
حمار ميت
* نوع من أنواع الرقص الغربي الرباعي الإيقاع.
حمود بن زياد
14 / 10 / 2008, 25 : 10 AM
الرسالة الثامنة
( الحمار الميت يحكي عن سبب موته)
أختي وعيني، ذبابة الحمر:
بالحق ، أنا أحكي لك عن موتي، لكنني نسيت أن أحكي لم عن سبب موتي. أعرف أنك تحبين الكلمات المنتقاة والمترادفات، وذات المعاني الكبيرة.
أتذكرين يوم كنت عاطلاً عن العمل وجئت إليك. كنت أجَفُّ من الجفاف. وأي كلام قلت يومها، ولكني لم أُحَصِّل قرشاً.
قال أحد العظماء "ليس ثمة من لا يعصي، ولكن عليك أن تجيد الطلب".
هذا الكلام العظيم إما لموليير أو روبسبير أو الملك لير أو هتلر أو مشهدي جعفر، لست متأكداً، لكن في النهاية اسمه الثاني حرف "الراء".
ذهبت إليكِ واضعاً في رأسي هذا القول العظيم ووقفت أمامكِ لاوياً رقبتي وقلت:
- توبي أور نت توبي*...
لحظتها بدأت بالبكاء وأخرجت كل ما كان بجيبك وأعطيتنيه. خرج أحدهم وقال: "لا تناقش لا الأذواق ولا الألوان". ماذا في هذا الكلام؟ لو كنت أنا قائل هذا الكلام لدخل من أذنك هذه وخرج من تلك.. هذا يعني أن البشر لا يعطون أهمية لمعنى الكلام المقابل بل لارتفاع المكان الذي قيل منه. يعني لو تكسرت مدخنة لعُد كل صوت من أصوات تشققها معجزة ربانية.
أشكر الله على أنه في تلك الدنيا التي غادرتها نوعين من البشر النوع الأول مجانين لا مسؤولية لهم. والثاني الملوك والرؤساء..
بفرض أنني واحد من رؤساء الجمهوريات الذين لا يفعلون، وليسوا مسؤولين عن شيء. لو سعلت، سيقولون:
- ما هذه السعلة المقدسة! ويسجلون السعلة على شريط.
اذا فتحت فمي متثائباً، سيقولون:
- الله ، ما أجمل هذه (الأريا)*
ويسرعون لمحاولة (تنويت) تثاؤبي.
عزيزتي، عندما نجلس معاً، كم كنا نستهلك من ذاك الكلام الكبير، نصرفه كصرف فراطة النقود.. كلامنا مثل اللؤلؤ لم يُقابل بحجر.
افتحي أذنيك! سأقول لك قولاً مأثوراً مهما جداً من وحي الدار الآخرة.. "الولادة سهلة، لكن الموت صعب". المولود يولّد من قبل الآخرين لكن الميت يموت لوحده.
لم يكن قد خطر ببالي الموت. أحب الحياة كأي شخص، ولكن الحب لا يكفي.. طلبت من مديري خمسين ليرة سلفة. سألني:
- ماذا ستفعل بها؟
خطر ببالي أن أقول له "سأضع طائرة ورقية وأطيّرها."
قلت:
- عليّ دين لأحدهم، سآخذها منك وأعطيه إياها.
قال:
- متى؟
- اليوم، الساعة الثانية بعد الظهر سيأتي ليأخذها.
- في تلك الساعة تعال وخذ خمسين ليرة...
- ألا يمكن أن تعطونيها الآن؟
- لا يمكن.
- لماذا؟
بعد أن هز رأسه هزة فلاسفة قال:
- انك لم تستطع توصل الرأسين لبعض لأنك لا تفهم هذه الأمور. ممكن أن يموت ديّانك هذا قبل الساعة الثانية بعد الظهر، فتخلص من دفع دينك – الأعمار بيد الله – ممكن أن تموت أنت فأخلص أنا من دفع الخمسين ليرة. من يعرف من الذي سيموت ومن الذي سيبقى حتى الساعة الثانية بعد الظهر.
لويت رقبتي وقلت:
- من أين لي هذا الحظ يا سيدي؟ أنا منحوس، الأعمار بيد الله، أليس من الممكن ألا يموت دياني ولا أموت أنا، ومن الممكن أن تموتوا أنتم ، فلا استطع أخذ الخمسين ليرة.
صارت الساعة الثانية بعد الظهر. لم يمت ديّاني، مديري ولا أنا.. ولكن مديري اختفى في تلك الساعة..
خرجت أبحث عمن أفرغ له ما في داخلي. أليس لنا أصدقاء مثقفون، أصحاب أفكار تقدمية، يرفعون الكأس في وجه الظلم معلنين عليه التمرد صارخين "فلتحيا العدالة"؟.. ذهبت إلى بيت أحدهم، أقول في نفسي لعله يساعدني.. البيت مزدحم بالضيوف، حكيت ما جرى لي. التفوا حولي، استمعوا إليّ باهتمام.
حكايتي مؤلمة، حتى إنني مسكت نفسي بصعوبة عن البكاء.. ولكن الذين يستمعون إليّ كانوا يضحكون، حتى أن ثمة فتاة جميلة، لكثرة ما ضحكت على حكايتي أفرغت مشروبها في رقبة الرجل الذي كان يسند رأسها إلى كتفه مع أني كنت أتكلم أشياء جدية كانوا يقولون الآن.
- اكسانتريك*
- للغرابة
- شيء لا يصدق!
- سُرابرايز*
- ظريف.
مع أني كنت أتكلم عن أحزاني، ضيقي، غضبي، تَحمُّلي، فأسليهم بما كنت أعاني منه.
رأيت بينهم امرأة سال الدمع من عينيها قلت لنفسي هذا نموذج للانسان الحساس ولكنها سرعان ما قالت:
- أي، دخت، نزلت دموعي لشدة الضحك.
كان يضحكهم كل ما أقوله. قالوا عندما كنت مغادراً:
- يا الله كم ضحكنا وسُررنا، تفضلوا غداً واحكوا لنا من هذه الحكايات.
كنت بائساً. ذهبت في المساء التالي، إنها آخر محاولة.. لكنهم كانوا يجدون كل ما أقوله مضحكاً. في النهاية قال أحدهم:
- دخيلك كافي.
فرحت.. نهايتها وجدت من فهمني بينما كنت أفكر على هذا النحو. الا يقل:
- أي.. من الضحك. عذراً، على وشك أن أدوخ.
سكتُّ. تفحصتهم جميعاً. سيغمى عليهم من الضحك فعلاً.
صرخت:
- لِمَ ضحككم؟
قالوا:
- حياتك، كل شيء فيك.. وهل ما حكيته جرى لك؟
سمعت أصواتهم عندما كنت خارج من الباب:
- ما أجمل طريقة حكيه.
- حكى أشياء غريبة جداً.
- ما حكاه صحيح يا ترى؟
- لا ياروحي يؤلف من أجل أن يضحكنا..
عينيّ الاثنتان، ذبابة الحمار، أنت تعرفين أن حياتي كلها مرت هكذا، تزداد عليّ صعوبة العيش، يضحكون عندما يتوجب عليهم البكاء. انتبهي لا تقولي لهم أنني مت لأنني لم أستطع أن أعبر عن ضيقي وحزني واضطرابي سيضحكون قائلين: "يالله كم اكسانتريك إذا أردت أن تريحيني قليلاً وأنا هنا، أرجو أن تلسعيهم بإبرتك الحادة..
أقبل أجنحتك البارقة الألوان تحت أشعة الشمس.
مع المحبة
حمار ميت.
• ( to be or not to be ) وردت بالنص بالحروف التركية حسب اللفظ الإنكليزي، لذلك أدرجتها بالعربية حسب اللفظ الإنكليزي.
• أغنية درامية طويلة في الأبرا.
• كلمة فرنسية بمعنى غير عادي أو ريب.
• مدهش.
حمود بن زياد
14 / 10 / 2008, 26 : 10 AM
الرسالة التاسعة
( كيف ينقل الجرحى من مشفى إلى مشفى ...)
ذبابة الحبيبة:
كنت أظن أننا أتينا إلى نهاية الورطة. وإذ عليّ أن أذوق الكثير. صدِّقي أنني لا أبالغ أو أؤلف بقصد تخويفك من الموت.
هل تكتئبين من ذكر كلمة الموت بشكل مستمر يا ترى؟ لي غاية من كتابتي لك من المقبرة هي إبعاد شبح الخوف من الموت عنك. كيفما كان ليس لأي ذي روح على سطح الأرض مهرب من الموت، فَلِمَ الخوف إذاً؟ ممكن من خلال رسائلي التي أرسلتها من المقبرة أن تأخذي الموت من الجانب المسلي، المضحك الشبيه بالخروج في نزهة...
لنعد لسفرتنا.. كلما سخن المحرك تبخر الماء حتى انتهاء ماء السيارة في الطريق.. خرج الثلاثة للبحث عن الماء حيث كنا خارج المدينة.
صاح المعاون من بعيد:
- وجدت.. هنا يوجد بركة ماء..
أحضروا الماء بواسطة وعاء. فهمت – من خلال كلامهم – أن الذي وجدوه طيناً وليس وعاء. فور وضعه في الخزان قفزت صغار الضفادع إلى أعلى من تأثير الحرارة، وهكذا استطاعوا تسيير السيارة إلى عند صنبور وملؤوها بالماء. انتهى البنزين. أخذوا بنزين. نفّست العجلات، نفخوها. بعد قليل انفجرت العجلة. تعاونوا على رقعها.
بعد مجموعة حوادث تملأ كتباً. وصلنا إلى أول مشفى. كان قد أصبح الوقت ليلا.
باءت عمليات بحثنا عن الطبيب المناوب بالفشل. مددوني جانب الجريح على الأرض. نظرت الممرضة إلى الجريح الذي كان ينزف وسألت:
- متى جرح؟
رد على السؤال سائق الإسعاف المتفاني من أجل إنقاذ حياة الرجل.
- قبل الظهر.
- من أسعفه..
أجاب السائق بأننا منذ الصباح في الطريق. ونصحها ألا تركب سيارة إذا كان عندها عمل مهم.
سألت الممرضة:
- وهل الدماء تسيل من الرجل بهذا الشكل منذ الصباح؟
قال السائق:
- نعم.
نقرت الممرضة بإصبعها على خشب الطاولة كما تفعل النساء حرزاً من عين الحسود وقالت:
- ما شاء الله. ما أغزر دمه، الله يحميه من العين..
لم يستطع أحد أن يفعل شيئاً لعدم وجود طبيب مناوب. ذهبنا إلى مشفى آخر، الجريح محظوظ، بعد ساعة بحث وجدوا الطبيب المناوب. قال المسكين بعد أن عاين الجريح:
- يا حرام، لا أستطيع عمل شيء. ليس لدينا أي علاج يقطع الدم السائل أو يُسَّيل الدم المقطوع في المشفى. ليس لدينا سوى الأسبرين والكحول واليود والقطن. أعطيكم منها إن أردتم. لعلكم تحتاجونها.
ولإنقاذ سمعة المشفى أضاف الطبيب
- هناك الكثير من الأدوية الأخرى بالطبع.. أدوية السكر، القلب، الروماتيزم..
قال السائق:
- الرجل يموت أمام أعيننا.. لو استطعنا إيصاله إلى مشفى الإسعاف. ليمت هناك أفضل...
قال الطبيب:
- لا فرق بين الموت هنا أو هناك.
قال السائق:
- يموت هنالك براحة أكثر.
سأل الطبيب:
- متى أصيب؟
- قبل الظهر.
- وهل ينزف من حينها بهذا الشكل.
- لا، كان ينزف بشكل أغزر قبل ساعات ولكنه قل مع استمراره.
- قال كالآخرين:
- ما شاء الله . رجل غزير الدم.
ذهبنا إلى مشفى آخر كان سيتركنا السائق ويذهب عندما علم أنه سيقبض أجرته من مشفى البلدية ولكنه لم يستطع كانوا يصطحبوني معهم لعدم قبول المشافي للموتى.
الجريح محظوظ وجدنا في المشفى الثالث طبيباً مناوباً وممرضة وأدوية. حتى إن الطبيب المناوب قال:
- وجود هذه الأشياء الثلاثة مجتمعة في مكان واحد أمر صعب جداً. لقد صادفتم يوماً متميزاً.
أرادوا تسجيل هوية المصاب قبل معاينته. بحثوا عن موظف القيود فلم يجدوه.
قال السائق مقترحاً:
- خذوه إلى غرفة العمليات . ثم تسجلونه فيما بعد.
عندها غضب أحد الموظفين وقال:
- لا أحد يمد يده على مريض غير مسجل. وإلا كيف سنصرف له الدواء. صرف الدواء دون تسجيل يؤدي إلى باب سوء التصرف. غضب السائق عندما ذهب البعض للبحث عن موظف القيود ولم يعودوا، وقال:
- لو كنا حملناه على ظهرنا لأوصلناه إلى مشفى الإسعاف الأولى منذ زمن.
في تلك الفترة كان موظف القيود عائداً من نفسه لينام. جلس إلى الطاولة مثل أي موظف مخلص لعمله، ثم وضع نظارته بهدوء، فتح الدفتر بدقة، سحب قلمه، بدأ التحقيق:
- اسم المصاب؟
- قال السائق:
- من أين لي أن أعرف، أنا سائق البلدية. أخذت الرجل إلى السيارة بعد إصابته بحادث مرور.. تعطلت السيارة في الطريق ونتجول منذ الصباح.. وأخيراً وصلنا إلى هنا.
قال موظف القيود:
- طيب، طيب، نكتب مجهول الهوية وينتهي...
قال المعاون:
- يا أخي أمن أجل هذا ننتظر كل هذا الوقت؟
قال الطبيب انتهت المعاملة الرسمية. لكننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً بدون أشعة، وجهاز الأشعة عندنا مُعَطّل.
- إذا كان لا يوجد أشعة فلماذا القيد؟ فوقها أضعنا كل هذا الزمن؟
أجابت رئيسة الممرضات:
- القيد شيء والعلاج شيء آخر. إننا نرفع شهرياً جدولاً بعدد المرضى الذين دخلوا مشفانا، لو ما عملنا قيداً فليس هناك جدول.
قال موظف القيود:
- صحيح إن جهاز أشعة مشفانا خربان ولكن عمل القيد على ما يرام.
قال سائق الإسعاف لسائق التاكسي:
- يا صاحبي كيفما كان نقودك تأخذها، إما من مشفى الإسعاف أو مشفى البلدية. أو تجد أحد أقرباء المصاب فتأخذ منه.. عملت خيراً، نقلناه من مشفى إلى مشفى حتى هذه الساعة المتأخرة.. فتممه.. وأوصلنا إلى مشفى الإسعاف الأولي.
- أين سأجد أقرباء المصاب ياهوه.. أنا أريد نقودي.
- سهلة، اعتبر نقودك في جيبك..
لم تحتمل أعصابهم وجود ميت بينهم فحشروني في (الباكاج).
قاد سائق التاكسي سيارته وهو يتكلم:
- درنا كل هذه المشافي ، في بعضها لا يوجد ممرضة، في بعضها الآخر لا يوجد طبيب، وإذا وجد الطبيب والممرضة فلا يوجد علاج، وإذا وجد الآخر فليس هناك جهاز أشعة وإذا وجد فمعطل، كأننا سنجد هذه الأشياء مجتمعة في مشفى الإسعاف الأولي.
قال السائق:
- موجودة ، حتى لو كانت غير موجودة نتدبر الأمر. نربط الجريح بخيط ، بحبل، أو شرشف ونقطع نزف الدم ريثما يأتي الطبيب. من الممكن أن يختنق المريض من الضغط ولكن لا نتركه ينزف..
قال سائق التاكسي:
- أنا لا أفكر في النقود، لأنني لو كنت قد شغلت عدداً منذ ركوبكم لسجل مئتي ليرة. أنا شخص فضولي. والفضول دفعني لمعرفة أي مشفى فيه الطبيب والممرضة والدواء والأشعة كلها مجتمعة، لهذا أنقلكم من مشفى إلى آخر. وإلا كنت من زمان أنزلتكم من السيارة وسحبت.
وصلنا إلى باب مشفى الإسعاف الأولي. أنزلوا الجريح حيث كانوا ، دلوا أرجله من النافذة حتى لا يتسخ فرش السيارة بالدم. لم يفتح أجد الباكاج الذي حُشرت فيه. نسوني هناك. ماذا أعمل؟ لو صحت أنا هنا لا أحد يسمعني لأنني ميت. لو فتح الباكاج ورآني من يعلم ماذا سيفعل؟
بينما كنت أفكر بما يمكن أن أفعله – مع أنني لا أستطيع أن أفعل شيئاً – كانوا يحملون الجريح على النقالة انفجر زعيق خلف السيارة. فتحت باب الباكاج الذي كان مفتوحاً قليلاً ونظرت دون أن ألفت انتباه أحد. القادمون كانوا دورية شرطة. نزلوا بسرعة وطوقوا النقالة التي كان عليها الجريح. سحب أحد رجال الشرطة مسدسه وصاح:
- لا تتحركوا..
صاح شرطي آخر:
- لا تتحركوا..
قال ثالث:
- ارفعوا أيديكم..
أسقط النقالة حاملوها لشدة خوفهم فجرح الجريح مرة أخرى.
طوقونا ، قال أحد المطوقين:
- وقعتم في قبضة العدالة.
صرخ أحدهم يجب أن يكون رئيس الدورية.
- أين البغل الذي ذبحتموه، أخرجوه بسرعة.
تأتأ السائق:
- بغل ماذا؟ أي بغل؟
- بغل، حصان، أو حمار.. نحن نتبعكم من المسلخ، تبعنا أثر الدم فعرفنا طريقكم. لقد لوثتم شوارع اسطنبول كلها بالدم.. يعني تذبحون الحمير والبغال وتطعمونها لسكان اسطنبول على أنها خراف ذات حَدوات، هذا؟
قال السائق:
- لا بغل ، ولا حمار، ولا حصان.. والله انسان.
- ماذا؟ إنسان؟ آه يا وحوش.
شرح حقيقة الوضع لرئيس الدورية.. عندها قال:
- ما شاء الله، كم من الدماء في جسد الرجل.
ولكي يضرب مثلاً حياً على ارتفاع المستوى الاجتماعي في البلد. قال رئيس الدورية بعد أن حُمل الجريح إلى داخل المشفى:
- لقد جئنا إلى هنا. لنفتش السيارة، لكي نعمل شيئاً ، ولا نعود بخفي حنين..
عندما عُرف أن ثمة ميتاً في الباكاج.
- ما هذا؟
قال السائق:
- كما ترون، ميت، رجل منحوس، كل ما جرى على رؤوسنا بسبب جلب جثته إلى هنا.
أخذوا الجريح إلى مكان آخر وبالتالي افترقت عن رفيق طريقي الطويل.
رموني في مكان من قبو المشفى عندما عرفوا أنني ميت لكي يرسلوني إلى الطبيب الشرعي. حيث رحت نائماً على البلاط لشدة تعبي من الهز في السيارة.
آه يا ذبابة الحمار الحبيبة، إذا كان عندك عقل لا تملي الحياة بسرعة. أنا أكتب لك من مصاعب الموت لكي تشعرين بطعم العيش في تلك الحياة الجميلة.
صحيح أن الحياة لأمثالي وأمثالك صعبة لكنها جميلة.
سلامي ومحبتي
حمار ميت
حمود بن زياد
14 / 10 / 2008, 28 : 10 AM
الرسالة العاشرة
( الحمار الميت يحكي عن إلقائه في قبو المشفى منتظراً إرساله إلى الطب الشرعي)
عزيزتي ذبابة الحمار:
شك أطباء مشفى الإسعاف – الذين عاينوني – في موتي. سأل الطبيب – المكلف بإعطاء تقرير وفاتي لإرسالي إلى المشرحة – الممرضة عما إذا كنت ميتا بحق.
قالت الممرضة:
- أنا نقلت كلام الخادمة يا دكتور. الخادمة قالت إنه ميت.
عصَّب الطبيب.
- أنا دقيق في عملي. لا أعطي تقريراً قبل أن أتأكد بشكل قطعي من موت الميت. لا يوثق هذه الأيام في حي أو ميت. يأتون إلى هنا ميتين – على قولهم – نثق بهم فنعطيهم تقريراً "ميت، يدفن" بعدها لا يثبتون على كلمتهم. أما أن يُدغدغون بينما المُغسل يُغسلهم أو يصحون حين إنزالهم إلى القبر، فيتمطمطون ثم يقفزون قائلين "آه، تأخرت عن شغلي".
قال الممرضة:
- صحيح يا دكتور، أتذكر المرأة العجوز التي أعطيتها تقرير وفاة ثم بُعثثت.
- وضعت ثقتي بكلام كَنَتِها. كيف لا أثق وقد جاءت لعندي في العيادة ، ما أجمل كلامها، ساعة كاملة تحكي لي كيف ماتت حماتها. لا يمكن إلا أن تثقي، كانت امرأة جميلة جداً، لا يخطر ببال أحد أبداً أنها تكذب. كل الحق على الحياة كيفما كان، الجميع علم بموتكِ، انتهت كل معاملات إثبات الوفاة، الجيران والأقرباء أتوا للعزاء. بكى الباكون ، حزن الحزانى. أهم من ذلك أنني أعطيت تقرير وفاتها. أتممنا كل الأمور الروتينية. لم يبق أكثر من دقيقتين وتصبح تحت التراب.. أو يَخرب الإنسان لعبة وصلت إلى هذا الحد. ما الذي ستستفيدنه من عدم موتك. ستموتين عاجلاً أم آجلاً.
- أنتم طلعتم بالخجلة.. لو كنت مكانك ، لقلت أن هذه المرأة ميتة، أو في عداد الأموات. وقبّرتهم إياهم بالقوة. أيصدقون الطبيب أم امرأة عجوز وجاهلة. كل الإشكالات تأتي من الجهل. شعبنا مع الأسف في منتهى الجهل. جاهل إلى حد أنه يموت ولا يعرف أنه مات. هناك أناس بالرغم من أنهم موتى من زمن ولكن حتى الآن يذهبون هان وهناك ويدعون أنهم أحياء. من الممكن أن يكون الإنسان لا يعرف في كل شيء، ولكن يجب أن يسأل صاحب المعرفة عما لا يعرفه. عندما يعطي الطبيب لإنسان تقرير وفاة يجب أن يفهم أنه توفي. لا يعيب الإنسان عدم معرفته بل يعيبه عدم تعلمه.
- جهل.
- أنا سألت المرأة التي بُعثت. وهل ذهب كل هذا النحيب والبكاء، الحزن والعزاء، هباء. ثم من الذي سيصدقك ويبكي عليك من جديد إذا توفيت مرة أخرى..
سيقولون .. لا تبكي على الفاضي لعلها – وقد تعلمت – تحيا من جديد.
- عندما بُعثت؟
- ما أهمية هذا.. في تاريخ الطب العالمي كثير من حوادث الإحياء هذه . عللت طبياً إحياء تلك المرأة.
كانا يتكلمان بقربي. سأل الطبيب الممرضة مرة أخرى:
- والآن، هل الرجل ميت بحق؟
- على قول الخادمة.
- نادي تلك الخادمة لنرَ.
نادت الممرضة الخادمة. وجّه الطبيب سؤاله لها مشيراً إليّ:
- قلت أن هذا الرجل ميت. أليس كذلك؟
- لم أكن الليلة الماضية مناوبة يا دكتور. كل ما أعرفه أن البواب قال "هذا الرجل ميت خذوه إلى المغسل".
ما فهمته، لكي لا يقع الطبيب في أي خطأ ولا يُظلم أحداً. يريد إثبات موتي بشهادة الشهود. وصلت إلى هذه النتيجة من خلال كلام الممرضة.
- أنا إنسان عاشق لمهنتي. لو كان مكاني طبيب آخر لجس نبضه، واستمع لدقات قلبه. أنا لا أكتفي بهذا ولكي لا أقع في أية ورطة مستقبلاً أشهِّد ثلاثة شهود على وفاته.. مرت على رأسي حوادث كثيرة.. كنت طبيباً مناوباً، شربت في يوم كنت فيه مناوباً.. لكثرة ما شربت لم اذكر كيف جاؤوا بي إلى المشفى. إيه ، شباب.. المشكلة أن ثلاثة من المرضى وَجَدوا في تلك الليلة الزمن المناسب ليموتوا. قالوا "يا دكتور مات ثلاثة مرضى". "رحمهم الله" ماذا يمكنني أن أقول غير ذلك؟ علينا أن نذكر الأموات بالخير. قالت الممرضة المناوبة "أليس الواجب معاينتهم لتقرير حالتهم". "هذا!.. معاينة" ولكن لكثرة ما شربت لم يعد فيّ قوة للوقوف. المهم، سنّدني الخدم من ذراعيّ، وأوقفوني أمسكت يد الميت جسست نبضه . آآآ.. الله الله .. نبض الميت يضرب بسرعة قلت "أحضروا الميت الآخر". نبضه مثل السابق. الثالث كذلك. نبض الثلاثة 90 "الثلاثة غير ميتين وحالتهم.. اذهبوا، ادهنوا ظهر كل منهم بحبة اسبرين كل ساعة، بلّعوهم يود".
وهل أعرف ما قلت في نشوة سكري؟
قالت الممرضة "أليس من الأفضل أن ندهن لهم باليود ونبلعهم أسبرين؟.. "قلت "ممكن" "قالت "الآن" "لأن الاسبرين يسرع القلب.."
قلت "بدلي الاسبرين بكينين"* ألا تقول "للكينين نفس المفعول يا سيدي". عندها غَضِبتُ، صرخت "كل هذه السنين ممرضة ولا تعرفين دواء يخفف سرعة القلب، أعطيهم ما تريدين " قالت عندما أمرض تسقيني أمي زهورات. أتريد أن أعطيهم زهورات" قلت "هق.. أعطيهم .. لأكتب لك.. هق.. وصفة زهورات .. هق .. "قالت "لا تفيد ، لا يوجد صيدلي في المشفى، أذهب إلى الدكان وأشتري عن زكاتي قليلاً من الزهورات." ذهبت ونمت ثم أحسست أن أحداً يوقظني كأنني في حلم، سمعت "لا يأكلون" من الذي لا يأكل" "الموتى لا يأكلون الزهورات" ذهبت، ألقيت نظرة وإذا بالخادمة تحشر الزهورات في أفواههم كأنها تعلف دابة. قلت "ألم تغلي الزهورات؟ ماء الزهورات سيشربون الممرضة لم تقل لي أغليه" "ألا تعرفين كيف تعطى الزهورات" "أنا لا أفهم بشغل البيت". "أين الممرضة؟" " ليست في غرفتها " نمت من جديد ولا أدري كم مر من الزمن وإذ بصوت "يا دكتور الموتى لا يشربون الزهورات!.." أنا في حالة سكر من جهة ونعاس من جهة أخرى." اضربوهم إبرة. "قالت "ابرة ماذا؟" "أي إبرة مما هو موجود في المشفى "قالت "لا يوجد في المشفى غير إبرة شكّالة* قلت "ثبتي فيها شَقال قميصك الداخلي حتى لا يُسحل" في تلك الأثناء أتى موظف القيود في المشفى وقال "ما المرض الذي سبب موتهم لأسجله بالدفتر؟" قلت "ليسوا أموات بل أحياء" قال غير ممكن يا دكتور، .. لأنهم عملوا عمليات "نبضهم ينبض". أمسكت يد أحد المرضى لأعاينه فقهقه الكاتب "بدلا من أن تجس نبضهم، تجس نبضك أنت!!".. تفوه.. من سكري كنت أجس يدي اليسرى باليمنى. ومن يومها كلما أردت أن أعطي تقرير وفاة.. أبحث عن شاهد – شاهدين.
أتى البواب الذي أرسل خلفه الطبيب. سأله مشيراً إليّ:
- هل الميت، ميت بحث؟؟
- ميت يا سيدي، ميت بحق؟؟
- كيف عرفت؟
- وهل معرفة ذلك أمر صعب. أنا بواب مشفى من ثلاثين سنة. كم من الموتى مر عليّ.. أصبحت خبيراً في الموتى.. حتى أنني بنظرة أعرف عمل الميت، مقدار دخله، عدد الأشخاص الذين يعيلهم...
- مادام هكذا، قل، كم كان دخله؟
- لا أكثر من أربعمئة ليرة.
- كيف عرفت؟
- انظر يا سيدي. خصره بثخانة رقبته، يكاد أن يقطع.
- ماذا كان يعمل؟
- لا أعرف بالضبط علمه متعب.. فوق ذلك يعيل أسرة كبيرة. خدوده تكاد تلمس بعضها من الداخل... عيناه غائرتان.. يعيل تقريبا ثمانية إلى عشرة أشخاص.
- كيف عرفت؟
- انظر إلى كتفيه. ساحلان إلى أسفل يوحيان لنا كم من الأحمال الثقيلة حمل.
- مات.. لو لم يكن شريفاً لما مات؟ كان ممكن أن يعيش مثل الآخرين.
- صحيح.
- إنه رجل ذكي..
- ماشي، بالنسبة لكل ما قلت، ولكن كيف عرفت أنه ذكي يا هوه..؟
- لو دققتم النظر يا دكتور، ترى بالرغم من كونه ميتاً يضحك بسخرية.
- بالمختصر، أنت شاهد على أنه ميت..
- نعم.
- وهل تعرف، لماذا مات؟
- كاتب المشفى يسجل اسم الذين لا يعرف أسباب موتهم "فيزيولوجية السفالة" من الواضح أن هذا مات لنفس السبب.
- صحيح. ولكني لا أزال أشك في أن هذا الرجل ميت.. أنا لا أتحمل مسؤليته. سأحوله وأخلص منه.. ليحددوا في الطب الشرعي كيفية موته.. والشرطة من قَتَله.
ذبابة الحمار ، خفت كثيراً. إلى أين سيحولني هذا الطبيب يا ترى؟ أتريدين أن أنتقل من مكان إلى مكان مثل معاملة في دائرة رسمية لم تدفع رشوتها.
قال الطبيب:
- سأحوله إلى الطب الشرعي، من أجل سلامة العمل.
خفت أن يرميني خارج باب المشفى قائلاً عليه أن يعيش غصباً عنه، لا يعد من الأموات وضعوني مع أموات آخرين في قبو المشفى ريثما يرسلوني إلى الطب الشرعي. كان المكان بارداً جداً، لكي لا تفوح رائحتنا. ولكننا لا نهتم لا بحرارة ولا ببرودة.
ذبابة الحمار الحبيبة، سأحكي لك عما جرى لي في الطب الشرعي
حمار ميت
• كينين: مادة تستخرج من شجر الكينا.
• المقصود دبوس شكّال. يستعمل في التركية نفس المفرد للدبوس والإبرة.
حمود بن زياد
14 / 10 / 2008, 49 : 10 AM
الرسالة الحادية عشرة
( كيف نجح أحد أفراد الطبقة الراقية في قتل نفسه )
ذبابة الحمار الحبيبة:
من وجهة الموت فقد مت. ولكني لم أمت رسميا. أثناء كتابتي لهذا السطر، أكاد أسمعك تقولين "ما أصعب العيش (رسمياً) والموت (رسميا) أيضاً.
كان هناك بعض الأموات في قبو المشفى البارد إلى ماتحت الصفر. يوجد على يساري ميت متوسط العمر. وعن يميني امرأة عجوز ميتة سألت الرجل الميت:
- لماذا مُتُّم يا سيدي؟
خاطبته بالجمع واتبعتها بسيد، لأنه حتى بعد موته، لا يزال منفوشاً بشكل مضحك، وبينما كنت أنتظر جوابه وإذ به يقطب وجهه ويديره إلى الجهة الأخرى. وقال، وكأنه يحادث نفسه "لهذا لم أكن أحب الموت. يموت الناس فلا يبقى بينهم فرق طبقي. هنا يلتقي الجميع بين سيد وخادم. من عُرف جده ومن لم يُعرف. أي نوع من البشر هؤلاء. رجل لم تتعرف عليه بعد، يسألك عن سبب موتك، الموت غير مهم ولكن الاجتماع بأناس لا يعرفون الأصول، هو الشيء الذي لا يطاق.."
همست المرأة التي على يساري:
- السيد من الطبقة الراقية.؟
خجلت لسؤالي المباشر الذي خرج كما لو أن شيئاً سقط من السطح قبل أن أُعرِّف بنفسي. بعدها بقليل، عرَّفت بنفسي. لم أفهم عمله بشكل واضح. ما فهمته أنه يعمل كل شيء دون أن يعمل شيئاً. ثم حكى عن موته:
- انتحرت.
- هل من السهولة أن يقتل الإنسان نفسه؟
غضب الرجل الراقي مرة أخرى لأن شاباً دخل في الحديث ظاناً أن السؤال موجهاً له.
- الانتحار أصعب من العيش فكّرت أن أرمي بنفسي في البحر . فتشت سواحل اسطنبول، طرفيها الأناضولي والرومي ولن أجد قطعة ولو صغيرة، غير مشغولة، لأرمي منها نفسي. سيطر الأغنياء على كل سواحل اسطنبول (شاليهات)، (فيلات)، (كازينوهات)، حدائق وأرصفة خاصة...
قطب الرجل المنفوش وجهه كما لو أنه يشم رائحة كريهة. وبدأ يخرج صوت "جق ، جق، جق" وقال:
- أمثال هذا الشاب هم الذين جعلوا من بلدنا الجميلة لا تطاق.. ولكن الشاب الميت لم يهتم لكلامه وتابع:
- وضعوا هنا وهناك لوحات "ممنوع" خاصة مثل "ممنوع الدخول إلى البحر من هنا". "ممنوع المرور من هنا" وكأنها لم تكف حتى يضعوا لوحات "يوجد كلب" ليس كلب بل وحش. إن كنت شاطراً، مر وأرمِ نفسك في البحر.. أن ترمي نفسك في البحر شيء، وأن تجعل كلب يمزقك شيء آخر . وجدت شاليه من دون كلب ودون لوحة منع. قلت لصاحبها "هل تأذنوا لي باسم الانسانية أن أرمي بنفسي في البحر من هنا.." بدأ الرجل ينصحني "هل يترك الإنسان هذه الحياة الجميلة وينتحر!" عندما قال "الجميلة" كان يشير إلى أزهار حديقته واشجارها، بركة الماء، (الشاليه) المكسوة بالمرمر.. لم أجد في الساحل مكاناً أنتحر فيه..
قلت:
- لو كنتم ذهبتم إلى أحد (البلاجات).
- من الواضح أنكم لم تذهبوا إلى بلاج منذ فترة طويلة.. فكرت بالذهاب إلى أحد البلاجات لعلي أجد مكاناً عميقاً أرمي نفسي فيه، ولكن أين.. لا يمكن أن ترى البحر لكثرة الازدحام. رميت بنفسي من رصيف على البلاج وإذ بصوت يأتي من الأسفل "هيش" وإذ بي أنزل نكساً في بطن رجل. قلت،لأركب السفينة وأرمي بنفسي منها في البحر. وهذا لم يتحقق أيضاً.. لو صادفك الحظ وركبت السفينة فإنك لا تستطيع الحراك وسط الناس لكي تصل إلى طرفها، وإذا وصلت لا تستطيع أن ترمي نفسك في البحر. لو فعلت، لعلقت يداك ، رجلك. وإذا لم تعلق أمسكوك وأنت في الخلاء، وإذا وصلت إلى الماء لأخرجوك. بالمختصر المفيد الانتحار غرقاً في اسطنبول أمر غير ممكن. جربت السم. شربت أكثر السموم تأثيراً . لم أمت. شربت كمية أكبر. لم أمت. بل اترك الموت جانباً، كلما شربت السم تزداد قوتي. سألت أحد معارفي الأطباء عما إذا كان ثمة من لا يموت بالسم. قال نعم، هناك بعض سكان اسطنبول، ألفوا السم، المزابل المتروكة، غازات السيارات، الدخان، الغبار، حومات الماء الوسخ، هذه الأشياء كلها سموم ولكن الناس تعودوا عليها، حتى إن أقوى أنواع السموم لا تؤثر فيهم. سكان منطقة الخليج* يختنقون لو أخذتهم لمكان نظيف الهواء.
- قال ابن الطبقة الراقية:
- هل فهمتم الآن ، سبب انتحاري؟
- لم أفهم.
قال:
- أصبحت الحياة في بلادنا لا تطاق.
سألته:
- لماذا؟
- استمعتم للرجل كل هذا الوقت.. هل يُعاش مع إنسان كهذا.. لم يعد هناك من يعرف حده على كل شخص أن يعرف موقعه الاجتماعي. إذا أتى القدم لمكان الرأس، والرأس لمكان القدم، يغدوا المجتمع رأساً على عقب.. هذا هو سبب انتحاري..
- كيف انتحرت؟
- كنت عائداً مع سكرتيرتي ليلاً من مضيق البوسفور..
قلت:
- فهمت.
- أعطيناها غطاء الحادث.
ثم أضاف رجل الطبقة الراقية الذي لم يستطع العيش بين الناس الخشنين الذين لا يعرفون حدهم:
- مت ولم أخلص. الوضع الآن أسوأ من السابق. لا يوجد فرق طبقي بين الأموات وبرم وجهه.
ذبابة الحمار الحبيبة، في الرسالة القادمة أحكي لك عن أسباب موت الآخرين . أقبل عينيك.
حمار ميت
• خليج القرن الذهبي في اسطنبول. قبل عام 1986 كان مكاناً لرمي نفايات منطقتين ، صناعية وتجارية
متعب
14 / 10 / 2008, 17 : 02 PM
الرسائل التي كتبها (الحمار الميت) الذي لا
يخاف الذئب، من الدار الآخرة إلى صديقته ذبابة
الحمار في الحياة.
اخي الكريم :
أبن زياد
يا لها من رسائل !!!
صداقه متينه واخلاص لأبعد الحدود بين الحمار وذبابته . فلسفه قل من يفقهها .
واصل تتابع الرسائل اخي .
أشكرك من الاعماق.
تحياتي وتقديري.
حمود بن زياد
17 / 10 / 2008, 41 : 06 PM
أخي الكريم العزوة " أنهم لايقروأ " لماذا التعب , مرورك يعبق المكان بالطيب وحده
متعب
17 / 10 / 2008, 58 : 06 PM
- بغل، حصان، أو حمار.. نحن نتبعكم من المسلخ، تبعنا أثر الدم فعرفنا طريقكم. لقد لوثتم شوارع اسطنبول كلها بالدم.. يعني تذبحون الحمير والبغال وتطعمونها لسكان اسطنبول على أنها خراف ذات حَدوات، هذا؟
قال السائق:
- لا بغل ، ولا حمار، ولا حصان.. والله انسان.
- ماذا؟ إنسان؟ آه يا وحوش.
واصل يا مبدع !!!
حمود بن زياد
17 / 10 / 2008, 26 : 07 PM
الرسالة الثانية عشرة
( قصة البحث عن قبر جميل فخم يناسب شرف العائلة)
ذبابة الحمار الحبيبة:
لا أدري فيما إذا كانت رسائلي قد ضايقتك. لعلك تقولين لنفسك "لو مات رسمياً وخلصنا منه" آه لو مت رسمياً، وخلصتُ، وخصلتِ أنت أيضاً.. ولكن، كما ذكرت لك سابقاً، لا العيش سهل ولا الموت سهل، لعل الموت سهل لكن الميتة رسمياً تطول لا تقولي، وهل تبقى معاملات رسمية بعد الموت.. موجودة مُتِ أم لم تموتي. عرفت من أصدقائي الأموات الذين معي في القبو تفاصيل (الموت رسمياً). بينما كان مستخدمان يخرجان ميتاً قالت المرأة المتمددة بجانبي:
- أي حظ لهذا الرجل، هذا هم يأخذونه ولم يمر أربعة أيام على إحضاره إلى هنا. لو تنتهي معاملتنا ونخرج من هنا. لا بد أن مع هذا الرجل (كرت) واسطة!
قلت للمرأة:
- ما الذي تقولينه يا خالة. نحن هنا كلنا أموات وهل للميت حظ، (كرت ) واسطة أو معاملة.
قالت:
- طبيعي أنتم هنا جدد، لذا لا تعرفون، أخذوني مثلا في اليوم الذي مت فيه، طلبوني للجيش ضَحِكتُ بشدة. قالت المرأة العجوز:
- هُس، لا تزودها، لا يليق بالأموات أن يفعلوا فعل الأحياء.
- ماشي، ولكنك تبدين في الستين من عمرك على الأقل، عدا عن أنك امرأة.
- عمري سبع وستون سنة. يتوجب على أولادي إثبات سني بالأدلة حتى لا يسحبوني إلى الجيش، ثم يجب أن أحصل على قرار المحكمة بكوني امرأة. بعدها يثّبت موتي وإلا سيسحبوني إلى الجيش.
- لماذا لا يتحرك أولادك لعمل هذه الأشياء؟
- تحركوا كثيراً. أثبتوا أني امرأة في السابعة والستين من العمر. ولكن ليس من صالحهم أن يُثبتوا موتي.
- لماذا؟
- لأن بطاقة الفحم باسمي، تعرفون ما أصعب إخراج بطاقة فحم جديدة. عندي حق استلام طن من فحم الكوك كل شتاء. يُبطلون البطاقة فيما إذا علموا بموتي. الله أعلم كم شتاء سيرتجف من في البيت لشدة البرد. لا يريدون إثبات وفاتي يستمروا باستلام الفحم. سيسوقونني إلى الجيش إذا لم يثبتوا وفاتي من جهة ولا يحصلون على إرثهم مني، من جهة أخرى. هذه عقدتي المستعصية. أولادي احتاروا، بين أن يتنازلوا عن الميراث وبطاقة الفحم أو يرسلوني إلى الجيش... لم يستطيعوا إعطاء قرار. لهذا أنتظر.. انظر، أترى ذاك الشاب، قبل أن يموت بيومين صدر قرار بالقبض عليه. لهذا ينتظر هنا... من أين لهم أن يفهموا أنه متمدد على أنه ميت ليتخلص من السجن؟..
- ألا يفهم الأطباء؟
الله يا بُني الأطباء لا يفهمون في الأحياء من أين لهم أن يفهموا في الأموات.. انظر تلك المرأة المتمددة عند حافة الجدار، ماتت وبعثت تسع مرات. تتمدد بطولها على الأرض قائلة "لم يبق لهذه الدنيا طعم أو نكهة، أصبحت لا تطاق.." يوصلونها حتى المدفن، عندها ترجع بقرارها وتنهض.
- لو كنت مكان الأطباء، لأسرعت في دفنها.
- يووه، ليس عند الأطباء وقت يحكّون فيه رأسهم، يأتون كل صباح يستعرضون المرضى حتى الساعة الحادية عشرة . لذلك، أحضروا المرأة إلى هنا لتنتظر، عندها يفهمون إن كانت قد ماتت نهائياً. ثم يُنهون معاملتها ويدفنونها.
في تلك الأثناء خرج صوت خشن، قال:
- تطول المعاملة..
نظرت وإذا بميت عجوز حسن الهندام يتكلم ، فقلت:
- وهل متم أيضاً؟
قال بصوت فيه قوة وصلابة:
- لا لم أمت. توفيت. ألا تقرأون الصحف؟
- أقرأها.
- ألم تقرأ نبأ وفاتي في الصحف؟ كل الصحف كتبت..
قاطعته قائلاً:
- مقالة؟
- لا . صفحتين لإعلان وفاتي، طلب إعلانها كل من عائلتي، شركاتي والشركات التي أسستها. لو كان الإنسان أعور لرأى كل هذه الإعلانات.
- لم ألحظها.
- صدقوني، جمال إعلانهم عن وفاتي جعلني في غاية السرور من الوفاة.. الإعلان بذاكرتي.. سأقرأه غيباً.... "فقدان غال" "فقدان مؤلم" "والدنا ، زوجنا، حَمُونا، ابننا، صهرنا، أحد رجال الأعمال في بلدنا، مؤسس شركة "خذ وهات" أحد كبار مساهمي شركة "تعال خذ" أحد أحفاد الصدر الأعظم سليمان صولو باشا حفيد محمود باشا، ابن أخت قاسم باشا أخو صهر بيرم باشا...
كان سيعد قائمة بطوله لكني قلت:
- لقد عرفت حضرتكم يا سيد، لا تكلفوا أنفسكم جهداً، إنكم منهم ..
استمر الرجل:
- ( إرتحل إلى دار البقاء ، للقاء وجه ربه الرحمن الرحيم في استراحته الأبدية..)
صرخت:
- عرفتكم يا سيدي، عرفتكم.. ولكن لماذا تنتظرون هنا وهل لأمثالكم معاملة؟
- لم يجدوا لي قبراً. طبيعي لدينا مقبرة العائلة، لكنها قديمة، والفقراء يدفنون أمواتهم فيها. سينشئون لي قبراً في المقبرة الجديدة، ولكن لم يبق مكان قبر في الدرجة الممتازة. تعلمون على أية حال أن أمكنة القبور اليوم في السوق السوداء. هناك خارج السوق السوداء بعض القبور ولكن أمكنتها غير جيدة. لن تعجب عائلتي. يبحثون عن مكان قبر جميل المنظر.
- ما أهمية جمال مكان القبر بعد موت الإنسان.
- ليس من أجلي بل من أجل من سيزورونني، يريد أقربائي عند مجيئهم – حاملي الورد – لزيارتي أن يقفوا ليبكوا ويعبروا عن تأثرهم في مكان جميل. على الأرجح سيبكون أنفسهم أكثر مني قائلين: "ذهبت وتركت هذه الدنيا الجميلة" . لذا يجب أن يكون منظر قبري أمامهم جميلاً.. إذا كان منظر القبر قبيحاً فعلى ماذا سيبكون، ليس هذا هو السبب الوحيد بالطبع. هناك شرف العائلة. يريدون قبراً يناسب شرف عائلتنا.. عندما يصل الموضوع إلى الشرف يجب أن يشتروا مكان قبر من السوق السوداء. توفي أحد مؤسسي الشركات المنافسة لنا قبل ثلاثة أشهر. وجدوا له في السوق السوداء مكان قبر جميل جدا لو اشتروا لي قبرا أرخص من قبره سيتمرغ شرفنا بالتراب من جهة وينخفض اعتبار شركتنا من جهة ثانية. أفهمتهم؟ لهذا السبب يبحث شركائي عن مكان غالٍ جداً.
- هل وجدوا؟
- أمن الممكن ألا يجدوا؟ اشترت شركتنا كافة أمنة القبور في السوق السوداء هذا يعني أنني؟ أنا اشتريتها. الأمكنة عندنا. إذا أسرعوا بدفني سينزل سعر أمكنة القبور في السوق السوداء. يمطونها قليلاً للدعاية، وبالتالي ترتفع أسعارها.. فهمتم؟
- فهمت يا سيدي...
أختي الحبيبة ذبابة الحمار كم من الأشياء هنا يكتب عنها ليس لدنيا الأحياء مكان جانب دنيا الأموات. يخطر ببالي أحياناً أن أعود عن الموت. لو كنت أعرف أن الموت صعب كل هذه الصعوبة لما علّقت نفسي, سأتنفس الصعداء لو انتهت معاملتي ومت رسمياً.
أختي ذبابة الحمار إذا أردت أن تموتي فاختاري الوقت المناسب. إذا استمرينا على ما نحن عليه، ستصبح فيه كل القبور في السوق السوداء. ماذا ستفعلين حينها؟ لا تستطيعين أن تموتي.
أقبل عينيك بشوق.
سلام ومحبة
حمار ميت
__________________
أخي الحبيب العزوة " مرورك يحمل الجمال أينما حللت " ولأجل عين تكرم مدائن
خـ السقياني ـالد
17 / 10 / 2008, 16 : 08 PM
ولا ازال اقرأ في هذا المتصفح العالمي سلمت اناملك يا ابن زياد
حمود بن زياد
18 / 10 / 2008, 23 : 03 PM
ولا ازال اقرأ في هذا المتصفح العالمي سلمت اناملك يا ابن زياد
أخي الكريم " خالد " مرورك هنا هو تخضيب للمكان بالطيب " مودتي
متعب
22 / 10 / 2008, 50 : 10 PM
أبن زياد
أشكرك و أشكر الله انك بيننا.
تحياتي وتقديري.
ام سعود
22 / 10 / 2008, 14 : 11 PM
مرور سريع ولي ردة
ربي يعطيك العافية
حمود بن زياد
22 / 10 / 2008, 37 : 11 PM
الغالي متعب ,,, يكفي مرورك هنا " يفرح القلب ويطرب بصدقك "
حسبي أني أحبك يارجل
حمود بن زياد
22 / 10 / 2008, 40 : 11 PM
مرور سريع ولي ردة
ربي يعطيك العافية
حياكِ يأم سعود وحفظك الله من كل سوء
لايكفينا المرور السريع ,, فنحن قوماً نكرم من يزورنا ويطول ’ سنضرب لكِ ياوالدتنا " خيمة من العقيق مفروشة بالورد " لكِ أطيب الاماني وآرقها "
د. الحلفي
24 / 10 / 2008, 07 : 02 AM
الرسالة رقم ......................
عندما ارى ما يرد على يدك اخي ابن زياد وعصابة راسي فإن النشوة البطولية التي تلي انتصاراً مؤزراً تتجلد بها النفس وينشرح لها الخاطر وكم من الفخر ان ترى هذا الابداع الحقيقي يترنم به اقرب ما يكون لك من ابناء العم فلي امل بلقائك وكلي فخر بدهائك وعبقريتك .
تقبل مروري واعتذار ي عن التأخر بالرد لطول الرسائل وتتابعها ولكن يبقى مقامك عالي كنجم يتلألأ بالسماء . لك اجمل وارق التحايا بجميع اللغات .
محبك
متعب
24 / 10 / 2008, 43 : 08 AM
أحبك الله يا أبن زياد ، الذي أحببتني من أجله.
تحياتي وتقديري لشخصكم الكريم.
حمود بن زياد
24 / 10 / 2008, 44 : 11 AM
الرسالة رقم ......................
عندما ارى ما يرد على يدك اخي ابن زياد وعصابة راسي فإن النشوة البطولية التي تلي انتصاراً مؤزراً تتجلد بها النفس وينشرح لها الخاطر وكم من الفخر ان ترى هذا الابداع الحقيقي يترنم به اقرب ما يكون لك من ابناء العم فلي امل بلقائك وكلي فخر بدهائك وعبقريتك .
تقبل مروري واعتذار ي عن التأخر بالرد لطول الرسائل وتتابعها ولكن يبقى مقامك عالي كنجم يتلألأ بالسماء . لك اجمل وارق التحايا بجميع اللغات .
محبك
اخي العزيز د / الحلفي
يكفي أنك هنا فهو وسام شرف اتقلده عندما تمر فقط ’ فكيف إذا منحتني جميل كلامك المهذب ’ لتضعني دائماً في خانة العجز حتى في الرد بشكرك كما تستحق ’, فشكراً لك حد الرضى بكل لغات الارض
" خالص الود لشخصك الكريم "
حمود بن زياد
24 / 10 / 2008, 47 : 11 AM
العزيز متعب
إن القلوب شواهد كما يقال " يا قلب المنتدى الصادق " لك خالص الود واصدقه " محبك "
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2010, TranZ by Almuhajir